حُبسَة الرواية
فضحكتُ وأجبته أنّ هذا هو الأصل في حيرة كتابة الرواية، وأنّ ما يعيشه هو ما يُنتج الإبداع، فلا يجب أن نستسهل الكتابة وأن نُحوّلها إلى عملية وظيفيّة.
تذكّرت أثناء هذا الحوار رحلة الروائيين نحو العمل الكامل، ومرّت بخاطري القصّة العظيمة التي قصّها بلزاك في موسوعته «الكوميديا الإنسانية» التي عنونها بـ«التحفة المجهولة»، وأبان فيها صورة عن هوس الكمال الذي يؤدّي إلى إخفاء الأثر وتدميره.
هوس التفكير في الرواية الكاملة وتتبّع سرابها هو عاملٌ رئيس في تعثّر كاتب الرواية عن الكتابة وعدم رضاه عمّا يكتب من جهة، وفي الاقتراب من تحقيق الرواية الأفضل من جهة ثانية؛ ذلك أنّ توضّح الحكاية في ذهن الروائي وتحدّد عناصرها وكبريات حوادثها لا يُنهيها ولا يُحقّقها، وإنّما للرواية ولادتان: ولادة ذهنيّة تصوريّة تتكوّن في ذهن الروائي، وولادة رسميّة تقيِّدها إلى الورق وتحوّل الذهني الصوَري إلى رسميّ متَصوّر.
وتقييد الرواية باللّغة هو محطّ الإشكال لعلّتين: علّة أولى في تخيّر الكلمات والألفاظ والتراكيب والأساليب التي يُمكن أن تُعبِّر عمّا في ذهن الروائيّ، وعلّة ثانية ماثلة في التداعي القصصيّ، وتولّد الأحداث وتغيّر الفكرة القصصيّة وتحوّلها ساعة تقييدها، تضاف إلى ذلك رغبة الكاتب في كتابة الرواية الكاملة، أو الرواية المختلفة، الرواية الحلم التي يتمنّاها كلّ روائي مهما بلغ من مراتب عليا، ومهما كانت درجة مقبوليّته.
إنّ البحث عن كتابة الرواية المختلفة عقيدة ذات حدّين: حدّ إيجابي يدفع إلى الإبداع، وحدّ سلبي يدفع إلى التعطيل والتعطّل.
ولنا في تاريخ الرواية أمثلة صارخة واضحة على حال الحبسة التي تعتري الروائيين؛ فقد يدخل الروائيّ في حالٍ من الهوْس والخوف من جرّاء احتباس الكتابة وامتناع انسياب الرواية أو عدم رضاه عمّا يخطّ ويكتب، مثلما فعل الروائي الروسي العظيم نيقولاي غوغول في القسم الثاني من روايته «الأنفس الميتة»؛ إذ عالج ما خطّه وقلّبه وخطّه ولم يرتضه، فألقى بمخطوطه في النار؛ حتّى لا يترك منه أثرًا، وأباده نهائيًّا، ليموت بعد ذلك بأسبوعين، ويُطعم النار ما يُمكن أن يكون عملًا إنسانيًّا خالدًا.
وفي ظنّي أنّ الجزء الأوّل من رواية «الأنفس الميتة» هو ما أحرق الجزء الثاني؛ إذ وقع في روْع غوغول أن يكتب شيئًا أعظم، وأن يأتي ببدعة مدهشة، ونصّب نفسه حكَمًا وناقدًا ومقوّمًا؛ ولذلك انتهى إلى الاعتراف في رسائله بأنّه عجز عن بناء شخصيّات نقيّة ومؤثّرة، وأنّه فشل في بلوغ الكمال الروائي.
وهنالك نماذج عديدة تظهر فيها حيرة الروائي في كتابة الرواية المُثلى أو الرواية النهاية التي يبلغ بها قمّة ما يصبو إليه، وهو أمرٌ مستحيل؛ فالرواية دومًا هي بحثٌ نحو حكاية الحكاية التي لا تنتهي إلّا بنهاية الروائي.
حيرة تخيّر اللّغة والعبارة الساردة الحاملة لما في نفس الروائي من أشباح وأحداث تدور في ذهنه هي مأزق ثانٍ، أبانت عنه مسيرة الروائي فلوبير صاحب الجوهرة الروائية «مدام بوفاري»، الذي كان يُقضّي الشهور الطوال في نحت اللغة الملائمة التي يُمكن أن تحمل المعنى الذي يريده، ليخرج بصفحة أو صفحتين، وهو صاحب الاعتقاد في وجود كلمة واحدة ينبغي أن يجدها تحمل المعنى المقصود.
هوس تخيّر اللغة مستوى مرغوب مطلوب لتحقّق جودة العمل السردي.
وقِسْ على ذلك الحيرة الوجودية التي تجعل الكاتب لا يرضى بما يكتب وإن شاع وتُقبِّل القبول الحسن، وهي الحيرة التي عاش بها كافكا، وكان دائم الرفض لما يكتب في بحث دائم عن قول ما لم يقدر على قوله.
إنّ شوق الروائي لتحقيق جوهرته النهائيّة التي تحمل رؤيته وتمتصّ مشاغل واقعه وتُصَاغ بلغة مثالية هو شوق محمود وفعل دافع لتجويد الكتابة، وإن أفضى إلى التمزيق والحرق والعيش مع أزمة حبسة الكتابة.
إنّ هذا الشوق يُمثّل المقابل الفعلي للإسهاب في الكتابة الروائيّة السطحية أو العادية أو التكرارية أو أحيانًا الجيدة دون تميّز.
