دلالات احتدام الصراع بين السياسة والتقنية

07 سبتمبر 2024
07 سبتمبر 2024

كشفت لنا قنوات الإعلام المرئية والمكتوبة عن عمق الأزمة المحتدمة بين بعض المؤسسات السياسية الغربية وبين المؤسسات الرقمية الكبرى التي أظهرت خفايا العلاقة بين هاتين المؤسستين العالقة في وحل المصلحة المتبادلة التي إن ارتفعت عند جهة واحدة انتفضت الجهة الأخرى وكشّرت عن أنيابها؛ فتنفض غبار المساوئ المخفية وتنثرها للجميع؛ لتتعرى أزمات تتعلق بالديمقراطية وخصوصية البيانات والتحالفات السرية بين الساسة وملاّك التقنية وقادتها؛ فمن بين المناكفات الأخيرة التي أذاعتها الصحف العالمية -على سبيل المثال وليس الحصر- تصريح مالك مجموعة «ميتا» «زوكربيرغ» -عبر رسالة أرسلها إلى رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب الأمريكي- أن شركته تتعرض لضغوطات من إدارة «بايدن» بشأن الضغط على فرض رقابة على المحتوى، وبلغة واضحة الضغط عليه لممارسة المزيد من النشاطات التجسسية، وكذلك تصريح مؤسس «تلجرام» في إحدى المقابلات المرئية بأن الحكومة الأمريكية حاولت إقناعه بالسماح لها بالتجسس على بيانات المستخدمين، ولعلّ ما كشف عنه في هذه المقابلة هو السبب الرئيس الذي قاده إلى الاعتقال في فرنسا، وليست التهم التي أُعلنَ عنها. في مظهر آخر لهذا الصراع، أعلنت البرازيل حظر منصة «أكس» بسبب ما وصفته بـ«التضليل الإعلامي» الذي تتهم فيه السلطات البرازيلية «إيلون ماسك» شخصيًا بدعم حسابات معارضة للحكومة البرازيلية وداعمة لحركة الانقلاب الفاشلة، وكذلك وجّهت أستراليا تعنيفها لـ«إيلون ماسك» بسبب رفض منصة «أكس» إزالة مقاطع مرئية لحادثة الطعن في الكنيسة الأرثوذكسية، ووصف رئيسُ الوزراء الأسترالي «ماسك» بـ«الملياردير المتغطرس»، واتُهِمَ «إيلون ماسك» بتأجيجه لأعمال العنف في بريطانيا التي قادها اليمين المتطرف وتدخله فيها. ترشدنا هذه الأخبار التي تعكس حجم الصراع بين المؤسسات السياسية والمؤسسات الرقمية عن أزمة افتراق المصالح التي تؤكد وجود فساد عميق في هذه المؤسسات تؤذي المجتمعات الإنسانية التي لم تعد بياناتها الشخصية وخصوصياتها في مأمن، وهذه من الحقائق الموثّقة غير الجديدة؛ ففضيحة «كامبريدج أناليتيكا» في عام 2018م التي اُتهمت فيها شركة «فيسبوك» -ميتا حاليا- بتسريب بيانات ملايين المستخدمين لأغراض سياسية تؤكد قدم هذا التحالف وخفاياه الذي لا يطفو على السطح إلا ما ندر منه؛ فما خفي أعظم، والحديث يمكن أن يمتد إلى أحداث ما يُعرف بـ«الربيع العربي» الذي تبيّن دور الشركات الرقمية وتفاعلها مع أحداثه مدعومة بأجندة سياسة غربية تهدف إلى إحداث تغييرات سياسية جديدة تخدم مصالحهم مستغلة أوضاع تلك الدول وتذمّر شعوبها. سبق أن تحدثتُ في مقالات سابقة عن خطر هذه التحالفات التي لا تفضحها وتكشف خفاياها إلا الاختلافات؛ فتظل المنصات -رغم ما صاحبها من طفرة اتصالية واجتماعية فريدة من نوعها لم تشهد البشرية ديناميكية تواصلية مثلها قبل عشرات السنوات - سلاحا رقميا يتحكم بواسطته الساسة المتنفّذون بالعالم وشعوبه عبر عدة أساليب منها فرض الهيمنة الرقمية على المجتمعات التي يسمح لها بشكل مجاني -في ظاهره- في استعمال هذه المنصات؛ لتكون الحصيلة -التي يدفعها كل المستخدمين- تسليم بياناتهم الشخصية التي يحرص هؤلاء الساسة وأجهزتهم الاستخباراتية في تحليلها وتحليل نمط حياة أفرادها وجماعتها؛ فتؤدي غرضها في إعادة تشكيل الأفكار الجمعية وتحديد بُوصلةٍ منتقاةٍ للثقافة المجتمعية، وهذا ما يسهّل الغزو الرقمي -الذي يماثل الغزو الفكري، والذي حلّ محلَ النشاطات الاستشراقية- الذي يمكن بواسطته صناعة العقل الجمعي العالمي الذي يمكن أن نرى «العولمة الرقمية» جزءا من منظومتها. لا أطرح هذه السردية من منطلق العاطفة؛ فالدراسات العلمية والشهادات التي تخرج من أفواه صنّاع القرار من الساسة وعملاقة الصناعة الرقمية شاهدة على هذا، وأدفع بالقارئ الاطلاع على كتاب «تغيّر العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا» من تأليف «سوزان غرينفيلد» ليدرك عمق التأثير بجميع أنواعه الذي يمكن للأنظمة الرقمية ومنصاتها أن تحدثه في العقل البشري على الصعيد الفردي والجمعي.نعود إلى محور حديثنا الرئيس المعني بتصاعد الصراع بين الحلفاء (الساسة والرقميون)؛ فنجد أن المؤسسات الرقمية الكبرى لم تعد تحتمل تدخلات الساسة التي تجاوزت الحد المسموح به؛ فثمّة صراع بين هذه القوى، يحاول أحدها أن يفرض هيمنته على الطرف الآخر؛ فنرى هذا في عدة صور منها سحب المؤسسات الرقمية البساط من بعض الساسة غير المرغوب في بقائهم عن طريق التضليل الإعلامي بنشر كل ما يسيء إلى هؤلاء الساسة، ولإحداث ضغوطات شعبية تدفع الناس إلى الفوضى الداخلية، وفي مضايقة الساسة لرؤساء الشركات الرقمية وملاّكها واعتقالهم مثل ما حدث لمؤسس منصة «تلجرام». وهنا لا يمكن أن ندّعي براءة أيّ من هذه الأطراف؛ فالجميع متحالف -في حدود ما- في وقت سابق على تحقيق أهداف تسير في تحقيق مصالح الطرفين، وساهم كلاهما في الإضرار بالمصالح الخاصة والعامة لكثير من دول العالم، واشتركوا في جرم انتهاك خصوصية الأفراد واستغلال بياناتهم الشخصية لأغراض تخدم الأهداف السياسية للدول الكبرى التي ليست حكرا على منصات التواصل الاجتماعي بل تمتد إلى هواتفنا الذكية التي نتعرض بواسطتها لانتهاك الخصوصية عبر التجسس على محادثتنا وجمع بياناتنا الصوتية التي تُنقل عبر شركات تسويق -مثل شركة «كوكس ميديا» استنادًا إلى تقرير أمريكي كُشفَ عنه مؤخرا- إلى أطراف أخرى منها شركات تقنية كبرى تستعملها لأهداف إعلانية تجارية. ولا نستبعد أن تصل أيضا بكل يسر إلى مؤسسات أمنية وسياسية أمريكية. لا تخضع هذه العلاقة المضطربة إلى أسس أخلاقية واعية؛ إذ أنها من السهل أن تفترق عند تضارب المصالح؛ فنجد مثلا «إيلون ماسك» يبحث عن حليف سياسي جديد يطمح بواسطته إعادة المياه إلى مجاريها وتخفيف حدة الصراع؛ فنراه يعلن عن تأييده للمرشح الأمريكي «دونالد ترامب» الذي أكد تأييده في لقاء مباشر مع «ترامب» عبر منصته «أكس»، وهذا ما يطرح تساؤلات عن طبيعة التحالف الجديد الذي سيقوم بين منصة «أكس» وإدارة «ترامب» -حال فوزه-، وما المشروعات «الرقمي-سياسية» القادمة التي يمكن أن تنتج من هذا التحالف المحتمل -إن لم تعكّره خلافات جديدة-، وأين تتجه البشرية وخصوصياتها وأمنها في ظل هذه الفوضى التي تُفرض عليها باسم التقنية المختطفة من قبل ساسة متعطشين لنهب ثروات العالم وتدمير حضارته الثقافية؟ والسؤال الأهم: ما البدائل التي يمكن أن نطرحها لمقاومة هذه الأزمة الرقمية دون التخلي عن التقدم التقني ومواكبته؟ لا أظن أننا نملك إجابات مطلقة ونهائية؛ فنحن بحاجة إلى منظومة قانونية صارمة وشاملة تضمن التشغيل الأخلاقي للمنصات الرقمية بما في ذلك فصل السياسة عن القطاع العلمي بشكل عام والرقمي بشكل خاص، وتأمين البيانات الشخصية للمستخدمين من أي تسريب أو استغلال.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني