الحكاية لن تنتهي قريبا!
يبدو أن حالة الجدل والاشمئزاز النفسي من استمرار حكاية طويلة بدأت منذ سنوات ولم تنتهِ حتى يومنا هذا، «بثوث منصات التواصل الاجتماعي».. حكاية لن تنقضي حلقاتها قريبًا!
رغم الحملات المكثفة للجهات المختصة لرصد التعديات على قيم ومبادئ المجتمعات العربية والإسلامية ومحاربتها، وذلك عن طريق التسول الإلكتروني واستجداء المتابعين عبر البث المباشر، إلا أن الطريق في نظري لا يزال طويلًا حتى تنتهي هذه الظاهرة تمامًا، طالما كان هناك من يدفع الأموال لاستمرار مسلسل هدم القيم النبيلة، سواء من أجل الشهرة وتحقيق أرباح مالية من الهدايا الرقمية، حتى لو كان ذلك على حساب العرض والشرف والنخوة والكرامة الإنسانية.
إن تقنين إجراءات استخدام «البثوث» عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي تحرك قلوب الراغبين في الثراء والكسب غير المشروع، يُعد من الأمور المهمة لحماية المجتمع والحفاظ على قيمه الراسخة في عمق التاريخ، وليس كما يتصور البعض بأنه تقييد للحريات وغيرها.
لقد أصبحت الهواتف النقالة النافذة الأكثر فعالية في الوصول إلى جميع المحتويات التي يعج بها الفضاء الإلكتروني، فبضغطة زر واحدة يجد المستخدم نفسه أمام كم هائل من المعلومات والبيانات والمواقع التي لا تتناسب جميعها مع المناخ المجتمعي، وتُعتبر كحشائش ضارة تنبت في تربة المجتمع وتصيب الكبار والصغار بالعديد من الأضرار المختلفة.
ندرك أن بعض المستخدمين يتحايلون بطريقة أو بأخرى على جزئية الحجب للمواقع غير المناسبة للدخول عليها أو استخدامها بسبب الضرر الذي تُحدثه من الناحية السلوكية والأخلاقية.
ومع تشديد الرقابة على ما يُبث ويُتداول إلكترونيًا، جعل بعض المستخدمين يتساءلون: لماذا يتم حجب بعض مواقع الألعاب الإلكترونية والمنصات التفاعلية الأكثر شهرة في العالم؟
والجواب بكل وضوح: عملية الحجب لا تكون إلا وفق أسس ومعطيات وضرورة قصوى تستدعي مثل هذا الحجب المبرر قانونًا، وبعبارة أكثر وضوحًا، ليست كل الألعاب الإلكترونية آمنة أو بعيدة عن إحداث الضرر ببعض الفئات العمرية الأكثر شغفًا بتلك الألعاب، فهناك قائمة من الضحايا، سواء من الأطفال أو المراهقين، تعرضوا لعمليات ابتزاز ممنهجة وتعديات واضحة عليهم، مما جعل البعض منهم يفقد حياته بسبب الضغوط النفسية التي تعرضوا لها، ناهيك عن بعض المنصات التفاعلية التي تكشف عورات الأسر، وتجعلهم أسرى للمغريات التي تقدمها لهم من الجوائز الرقمية، التي بدورها تفقدهم الكثير من الكرامة الآدمية.
إن مكافحة الجرائم الإلكترونية أصبحت ضرورة ملحة ، وجزءًا من منظومة الحكومات واهتمامها المتزايد، لذلك تنفق الدول ملايين الأموال سنويًا، وذلك للحد من تطور سبل الاحتيال.
بالمقابل، تمت محاكمة بعض الواهمين بأنهم صناع للمحتوى، وهم في حقيقتهم متعدون على قيم المجتمع، يسعون في الأرض فسادًا في مقابل الحصول على الهدايا التي يمنحها الداعمون لهم، وبعض التهم كانت تتعلق بعمليات غسل للأموال!
إذن، فإن محور الحكاية الطويلة له فصول ووجوه متعددة، فليس كل ما تسمعه أو تراه يمكن أن يكون حقيقيًا أو يخلو من غاية خبيثة، فبعض الذين أصبحوا أثرياء في غضون وقت قصير بعد إدمانهم على الجولات والبثوث الطويلة لم يصنعوا مجدًا بعرق جبينهم، وإنما كانوا من المشاركين في ارتكاب الجريمة، أو ضحايا غُرِّر بهم من أشخاص آخرين، وأيًّا كان السبب، فالجاني هو من يقف أمام القضاء ليُحاسب دنيويًا، لكن هناك محكمة مؤجلة تنتظره في يوم البعث.
الإنسان هو من يشقي نفسه بنفسه، فالبعض يعتقد بأن المال الحرام لن يُحاسب عليه، لذا يفعل كل شيء دون وعي، ولكن ما إن يقع في شر أعماله حتى يتحول إلى شخص آخر غير الذي كان يظهر على قنوات التواصل!
قد تكون علامات التعجب في هذا المقال كثيرة، لكنها تصف حالة مجتمعية يجب أن نعي خطورتها، فتصحيح الأخطاء ليس مناطًا بالجهات الرقابية فقط، ولكن جميع فئات المجتمع مطالبة بأن تكون على وعي تام بكل ما تسمعه أو تتابعه أو تنشره من محتوى قد يكون أداة تدمير للجيل الحالي أو الأجيال المقبلة.
ربما فهم البعض الموضوع بطريقة خاطئة عندما اعتقدوا بأن كل شيء في هذا الوجود مباح، لكن الواقع ليس بهذه السهولة، فعقول الشباب ليست ملكًا لأحد، والعلم بخطورة ما يُقدَّم في كل لحظة في العالم الافتراضي هو الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح.
لذا نأمل أن يعي الجميع خطورة ما يتم نشره أو تداوله أو الإقبال عليه، لأن الخطأ في بعض الأمور يكون ثمنه باهظًا للغاية.
