حين يصنع العقلُ ما يصدّقه
إن ما يفكر به العقل حريٌّ بالإنسان الانتباه له والوقوف عنده وعدم تجاوزه، خاصة عندما يكون شيئًا يتطلب مساحة من التروي، فقد يكون في بداية الأمر مجرد تفكير، ولكنه مع المبالغة والتعمق فيه يصبح اعتقادًا وشيئًا مقنعًا، ويتجاوز حدوده في عقله الباطن الذي بداخل صاحبه.
فمن القصص التي أستذكرها أنه كانت امرأة تتشكى من المرض في عدة أماكن في جسمها، وذهبت لإجراء فحوصات شاملة، وهذا أمر طبيعي لمن كان كثير الشكوى والإحساس والاعتقاد بالألم، ولكن الأمر الذي ليس طبيعيًا أن النتائج كانت مفاجئة، فالمرأة عندما ظهرت جميع نتائجها كانت سليمة، ولا يوجد سبب حتى واحد يدعو للشكوى والتفكير فيه لهذه الدرجة التي شغلتها، والنتائج التي ظهرت أكدت كلها بأنها سليمة، وطالبت بإجراء الفحص مرة أخرى، والنتيجة ظهرت ممتازة وسليمة، وبالفعل عادت للمنزل، وبعد مرور عدة أيام عادت هذه المرأة للشكوى مرة أخرى، إلى أن استدل ابنها على حيلة بسيطة، وقال لها: سوف أحضر لك ماءً مقريًّا يعلم أغلب الناس بنتائجه الإيجابية في الشفاء بعد التناول منه، وبالفعل أحضر لها ماءً وطلب منها أن تشرب منه كوبًا صغيرًا ثلاث مرات في اليوم، ومنذ أول يوم وجدت نفسها تتماثل للشفاء، مع أنه لم يخبرها بأنه مجرد ماء عادي اشتراه من أحد أماكن البيع، واعتقادها بذلك جعل تفكيرها يتغير بمجرد الحصول على ذلك الماء.
فهنا العقل الباطن لا يعرف البرهان المنطقي أحيانًا ولا يقتنع به، بل يحتاج لدليل ملموس يقنعه بذلك الأمر.
وقد قرأت قصة مشابهة لذلك في كتاب «اللاشعور» للكاتب الدكتور علي الوردي، حيث يقول: «توهمت سيدة أن عظم سمك قد وقف في حنجرتها وهو سوف يقتلها.. وقد أجمع الأطباء على عدم وجود عظم السمك في حنجرتها فلم تصدقهم. ثم أوشكت أن تموت فعلًا لو لم يأتها طبيب من نوع جديد. فقد أمسك هذا الطبيب ملقطًا وأخفى فيه عظم سمك صغير، ثم أدخله في بلعومها وأخرجه بعد هنيهة صارخًا: «انظري.. لقد أخرجت عظم السمك من حنجرتك أخيرًا!» فشفيت السيدة إثر ذلك شفاءً تامًا».
هنا ليعلم البشر أن بعضًا منا لا يقنعه أحيانًا التشخيص الدقيق، وإنما إقناعه يكون بالنزول إلى فكره وإخراجه من دائرته المحدودة التي هو فيها إلى الجانب السليم والقويم، مثل الصياد الذي ينتشل السمك من البحر ويجني الفائدة، فهنا ينتشل الشخص من موقع تفكيره في هذا الأمر، ويستطيع الإنسان في مثل هذه المواقف أن يستخدم عقله الباطن وحواسه في سبيل غاياته النبيلة التي تقوده إلى إصلاح كثير من الأفكار التي تدور في هذا الفلك من قبل البشر، وهو في هذه الحالة طوق نجاة لكثير من العقول التي تنتظر الإنقاذ من بحر تلك الأفكار التي تثقلها وتغييرها إلى الإيجابية وإلى مفاتيح للتفاؤل واليسر.
فمن المواقف التي تجسد مثل هذا الأمر قصة المريض الذي يرقد في المستشفى، وقد تم إبلاغه بإجراء عملية له بعد ساعات، فدخل عليه أحد الممرضين كأنها زيارة عادية لمتابعة حالته، فسأله: هل أبلغوك بالعملية؟ فقال: نعم، ثم سأله: من الطبيب الذي سوف يجري لك العملية؟ فقال: لقد أخبروني بأنه الطبيب فلان، فرد عليه الممرض: عجيب هذا الأمر! فقال المريض: ماذا هناك؟ فرد عليه: هذا الطبيب متمكن جدًا وعملياته ناجحة بنسبة عالية لكثير من المرضى، محظوظ أنت جدًا بذلك، ثم استأذنه بالانصراف وتركه في حالة شعور إيجابية جدًا وسعيدة، ودخل العملية بكل بهجة وسرور، وسارت الإجراءات بأفضل ما تكون ونجحت العملية.
هنا لنعلم جميعًا أن العقل الباطن يبرمج ما نضع فيه من أفكار، فدائمًا من يرسل لنفسه إشارات إيجابية ومتفائلة تنعكس على نفسه وعلى حياته، ومن كان سلبيًا ردت عليه بالتشاؤم والقلق، وقد أوصى نبينا الكريم بالتفاؤل، حيث قال: «تفاءلوا بالخير تجدوه».
