"تبليل التطوعي" .. رحلة من العطاء امتدت 4 سنوات
لم تكن البداية سوى فريق صغير بإمكانات محدودة وطموح كبير، غير أن الإيمان بقيمة العطاء والرغبة في إحداث أثر إيجابي في المجتمع كانا كفيلين بتحويل تلك الخطوة الأولى إلى رحلة تطوعية امتدت أربع سنوات، شهدت خلالها التجربة محطات من التحدي والتطور والإنجاز. وفي مسابقة العطاء الكبرى، استطاع فريق تبليل التطوعي تحقيق حضور لافت، بحصوله على جائزة أعلى الإيرادات للسنة الثالثة على التوالي، في إنجاز يعكس روح العمل الجماعي وثقة المجتمع برسالة الفريق.
وتبرز تجربة أنوار بنت سليمان أمبوسعيدي، مؤسسة ورئيسة فريق تبليل التطوعي والحاصلة على ميدالية «كفو عليك»، نموذجًا للشباب الذين اختاروا العمل التطوعي مسارًا للعطاء والمسؤولية المجتمعية.
وفي هذا الحوار، تتحدث عن بدايات رحلتها، والتحديات التي واجهتها في تأسيس الفريق وإدارته، والأساليب التي اعتمدها في جمع التبرعات، والأثر الإنساني الذي يتجاوز الأرقام والجوائز، إلى جانب طموحاتها لمواصلة مسيرة العطاء.
- بدأت رحلتكِ مع مسابقة العطاء الكبرى قبل أربع سنوات، كيف كانت الخطوة الأولى؟
كانت بدايتي مع مسابقة العطاء الكبرى بسيطة، وبطموح كبير وإيمان بأننا قادرون على صنع أثر حقيقي في المجتمع. دخلنا التجربة بحماس ورغبة صادقة في المساهمة في العمل الخيري، ولم نكن نتوقع أن تتحول هذه المشاركة إلى رحلة تمتد لأربع سنوات، وتحمل معها كل هذا التعلم والتطور والإنجاز.
ومع مرور الوقت، أدركت أن العمل التطوعي يحتاج إلى الاستمرارية والتنظيم والعمل الجماعي، وأن الأفكار البسيطة يمكن أن تتحول إلى أثر أكبر عندما تجد فريقًا يؤمن بها ويعمل من أجلها. ومن هنا تطورت التجربة، وأصبح فريق تبليل التطوعي مساحة نجتمع فيها على هدف واحد، ونسعى من خلالها إلى تقديم ما نستطيع لخدمة المجتمع. واليوم، عندما أسترجع البدايات، أشعر بالفخر بما وصلنا إليه، وأننا استطعنا أن نحول مشاركة بدأت بخطوات بسيطة إلى تجربة تطوعية مستمرة نطمح إلى تطويرها عامًا بعد عام.
- ما الذي دفعك إلى الاستمرار طوال هذه المدة؟ وما أبرز التحديات التي واجهتك في تأسيس الفريق وإدارته؟
الدافع الأساسي لاستمراري هو إيماني بقيمة العطاء، وشعوري بأن العمل التطوعي ليس مجرد مشاركة مؤقتة، بل رسالة إنسانية يمكن أن نصنع من خلالها فرقًا في حياة الآخرين. كما أن رؤية أثر الجهود، مهما كانت بسيطة، تمنحني دافعًا كبيرًا للاستمرار، وتجعلني أكثر إصرارًا على تقديم الأفضل في كل مرة.
وبالتأكيد، لم تكن الرحلة خالية من التحديات؛ فبناء فريق والمحافظة على استمراريته يحتاجان إلى جهد وصبر، كما أن تنظيم العمل وتوزيع المسؤوليات وتحفيز المتطوعين يتطلب متابعة وتواصلًا مستمرين. ومن التحديات أيضًا الوصول إلى الداعمين وإيصال رسالة المبادرات بصورة واضحة تشجع أفراد المجتمع على المشاركة والمساهمة. تعلمت مع الوقت أن تجاوز هذه التحديات يبدأ بالمرونة، وحسن التنظيم، والوضوح في الهدف، والأهم من ذلك الإيمان بقدرات الفريق. كنا نتعلم من كل تجربة، ونراجع ما قدمناه، ونبحث عن طرق أفضل للعمل في المرات القادمة. وأؤمن أن الاستمرارية لا تعني أن الطريق دائمًا سهل، بل تعني أن نمتلك الرغبة في مواصلة الطريق رغم الصعوبات.
- كم بلغت حصيلة التبرعات التي جمعتموها خلال سنوات مشاركتكم في المسابقة، وكيف تطورت من عام إلى آخر؟
شهدت حصيلة التبرعات التي جمعها الفريق خلال مشاركته في مسابقة العطاء الكبرى تطورًا ملحوظًا من عام إلى آخر، إذ كانت انطلاقتنا في عام 2023 بإمكانات محدودة وخبرة بسيطة في العمل التطوعي، وتمكنا حينها من جمع ما يقارب ألف ريال عُماني. وفي عام 2024، ارتفعت الحصيلة إلى نحو 16 ألف ريال عُماني، ثم واصلنا تحقيق تقدم أكبر في العام المنصرم، حيث تجاوزت حصيلة الفريق 37 ألف ريال عُماني، أما في نسخة العام الجاري، فقد تمكّنا من جمع 38 ألفًا و500 ريال عُماني.
وتعكس هذه الأرقام حجم التطور الذي حققه الفريق خلال أربع سنوات، سواء على مستوى الخبرة أو تنوع المبادرات أو القدرة على الوصول إلى الداعمين واستقطابهم. وهذا النمو لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم التجارب، والعمل المستمر، وتكاتف أعضاء الفريق، وثقة الداعمين وأفراد المجتمع. ونعتز بأننا استطعنا أن نطوّر أداءنا عامًا بعد عام، وأن نحول بدايتنا البسيطة إلى تجربة تطوعية أكثر نضجًا وتأثيرًا.
- ما الأساليب التي اعتمد عليها الفريق في جمع التبرعات، وما أبرز المبادرات التي قمتم بها؟
حرصنا خلال مشاركاتنا في مسابقة العطاء الكبرى على تنويع أساليب التعريف بالمسابقة واستقطاب الداعمين، وعدم الاعتماد على وسيلة واحدة لجمع التبرعات، بل كنا نسعى في كل نسخة إلى تقديم أفكار جديدة ومبتكرة تصل برسالة العطاء إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع.
ومن المبادرات التي نفذناها مبادرة صندوق سفير العطاء، وهي من الأفكار التي نعتز بها؛ إذ صممنا مجسمًا على شكل منزل، مع وجود طابوقة ناقصة منه، تحمل رسالة رمزية مفادها أن البيت لا يكتمل إلا بتكاتف المجتمع، وأن هذه الطابوقة تمثل مساهمة كل شخص وتبرعه، مهما كان حجمه، في إكمال هذا البناء. وكنا نرسل المجسم إلى عدد من المشاهير ومؤثري التواصل الاجتماعي، ليقوموا بدورهم بنشره والتعريف برسالته وتحفيز متابعيهم على المساهمة.
كما شاركنا بأركان تعريفية في عدد من المجمعات التجارية، واستثمرنا هذه المساحات للتواصل المباشر مع أفراد المجتمع، والتعريف بأهداف المسابقة وتشجيع الزوار على المشاركة. وحرصنا كذلك على التواصل مع الشركات والمؤسسات، وعقد الاجتماعات معها لطرح المبادرات وبحث فرص الدعم والرعاية.
إلى جانب ذلك، بنينا شراكات مع عدد من المقاهي، أطلقنا من خلالها مبادرة بطاقة أثر، التي سعينا عبرها إلى إيجاد أساليب جديدة تربط المجتمع برسالة العطاء، وتوسع دائرة المشاركة في دعم العمل الخيري. وحملت البطاقة شعار أثر يبقى، تأكيدًا على أن قيمة العطاء لا تقتصر على لحظته، بل يمتد أثرها ليصنع فرقًا في حياة الآخرين.
كما شاركنا في العديد من الفعاليات والمعارض والأنشطة المجتمعية على مدار السنوات الماضية، وحرصنا على استثمار هذه الفرص للتعريف بالمسابقة وبناء علاقات مع الداعمين والوصول إلى شرائح جديدة من المجتمع. ومع مرور السنوات، تطورت تجربتنا وأصبحنا أكثر قدرة على التخطيط والتنظيم والتواصل، واستفدنا من خبرات المشاركات السابقة لتطوير أفكارنا وأساليبنا. ونؤمن أن تنوع المبادرات، والتواصل المباشر، والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي، وبناء الشراكات مع المؤسسات، كلها عوامل أسهمت في توسيع دائرة الداعمين وتعزيز مشاركة المجتمع.
حصولك على ميدالية «كفو عليك» تقديرًا لمشاركتك المتواصلة على مدى أربع سنوات، ماذا يمثّل لك هذا التكريم، وما الذي يعنيه لك على المستوى الشخصي؟
تعني لي ميدالية كفو عليك الكثير، فهي ثمرة رحلة امتدت لأربع سنوات من العطاء والعمل والاجتهاد، تخللتها تجارب وتحديات تعلمت منها الكثير. أشعر بسعادة وفخر كبيرين بأن تُقدّر هذه المسيرة، وأن تكون الميدالية تقديرًا لجهود بذلتها طوال هذه السنوات، وليس لمشاركة واحدة فقط. ولم أكن أشارك يومًا بهدف الحصول على تكريم، بل كان دافعي دائمًا تقديم ما أستطيع لخدمة المجتمع وترك أثر طيب في حياة الآخرين. لذلك كان حصولي على الميدالية مفاجأة جميلة ومؤثرة بالنسبة لي، وأراها في الوقت ذاته مسؤولية تدفعني إلى مواصلة العطاء، والعمل بطموح أكبر لتحقيق أهداف جديدة في السنوات المقبلة.
- بصفتكِ مؤسِّسة ورئيسة فريق تبليل التطوعي، كيف استطعتِ بناء فريق قادر على تحقيق هذه النتائج؟
من البداية، كنت أؤمن أن نجاح أي فريق لا يعتمد على شخص واحد، وإنما على مجموعة من الأشخاص الذين يجمعهم هدف واحد ويؤمنون برسالة العمل الذي يقدمونه. لذلك حرصت على أن تكون علاقتنا داخل الفريق قائمة على التعاون والثقة والتقدير المتبادل، وأن يشعر كل عضو بأن له دورًا حقيقيًا في تحقيق أهدافنا، وتعلمت أن القيادة لا تعني أن أقوم بكل شيء بنفسي، بل أن أكون قادرة على اكتشاف قدرات الأفراد، والاستماع إلى أفكارهم، وتوزيع المسؤوليات بما يتناسب مع إمكانات كل شخص. كما تعلمت أهمية المرونة في التعامل مع التحديات، ومنح أعضاء الفريق المساحة للمبادرة والمشاركة في اتخاذ القرارات. وأكثر ما أعتز به في فريق تبليل هو روح التعاون التي تجمعنا، وحرص أعضائه على الاستمرار وتقديم الأفضل. فالنتائج التي حققناها لم تكن لتتحقق بجهد فردي، وإنما بجهود متكاملة، وكل عضو في الفريق كان له دور في الوصول إلى هذه المرحلة.
- هل هناك قصة إنسانية أو موقف لإحدى الحالات المستفيدة لا يزال حاضرًا في ذاكرتك، وترك في نفسك أثرًا لا يُنسى؟
من الصعب بالنسبة لي أن أختار قصة واحدة من بين الحالات التي تعاملنا معها؛ لأن كل حالة تحمل ظروفًا إنسانية مختلفة، ولكل أسرة حكاية تترك أثرًا في النفس. لكن هناك موقفًا لا يزال عالقًا في ذاكرتي، وأستحضره دائمًا كلما تحدثت عن أثر العمل التطوعي.
أتذكر أننا نشرنا في إحدى المرات عن حالة أم تعيل خمسة أبناء، بعضهم يعانون من أمراض، في ظل غياب الزوج بسبب وجوده في السجن، وكانت الأسرة تمر بظروف معيشية وإنسانية صعبة للغاية. وبعد نشر تفاصيل الحالة، تواصل معي أحد الأشخاص متأثرًا بالقصة، وقال لي إنه لم يستطع النوم بعد أن قرأ عنها، وكان يريد معرفة المبلغ المتبقي لاستكمال المساعدة، لأن هناك أحد أهل الخير لديه رغبة في التكفل بالمبلغ المتبقي وإغلاق الحالة بالكامل.
هذا الموقف أثر فيّ كثيرًا؛ ليس فقط بسبب رغبة المتبرع في المساعدة؛ وإنما لأنني أدركت حينها أن إيصال القصة إلى المجتمع قد يكون بداية لتغيير حقيقي في حياة أسرة بأكملها. فهناك من يسمع عن معاناة الآخرين فتتحرك في داخله رغبة صادقة لفعل الخير، وقد تكون هذه المبادرة سببًا في إنهاء معاناة طال انتظار الفرج منها.
مثل هذه المواقف تجعلنا ندرك أن دورنا لا يقتصر على جمع التبرعات، بل يمتد إلى أن نكون حلقة وصل بين الحالات التي تحتاج إلى الدعم وأهل الخير الذين يبحثون عن فرصة للعطاء. ولهذا أقول دائمًا إن خلف كل حالة إنسانًا وأسرة تستحق أن نعمل من أجلها، وإن الأثر الحقيقي للعمل التطوعي هو أن نكون سببًا، ولو بسيطًا، في تغيير واقعهم نحو الأفضل.
- ما الرسالة التي توجهينها إلى الشباب الذين يمتلكون الرغبة في العمل التطوعي؟
رسالتي لكل شاب وشابة لديهم رغبة في العمل التطوعي هي: لا تنتظروا توافر الإمكانات الكاملة أو الظروف المثالية حتى تبدأوا، بل ابدؤوا بما لديكم وبالقدرة المتاحة لكم؛ فكل تجربة كبيرة كانت في يوم من الأيام مجرد خطوة صغيرة.
ومن واقع تجربتي، لم تكن البداية سهلة، لكن الإيمان بالفكرة والرغبة الصادقة في تقديم شيء للمجتمع كانا دافعين كافيين للاستمرار وتجاوز التحديات. ومع كل تجربة، نكتسب خبرات جديدة ونكتشف قدرات لم نكن ندرك أننا نمتلكها.
وأود أن أؤكد أن قيمة العمل التطوعي لا تقاس بحجم المساهمة وحدها، بل بصدق العطاء والأثر الذي نتركه في حياة الآخرين؛ فلا تستصغروا أي مبادرة، فقد تكون مساهمة بسيطة منكم سببًا في رسم ابتسامة أو تغيير حياة أسرة.
آمنوا بأفكاركم، واعملوا بروح الفريق، ولا تجعلوا التحديات عائقًا أمام طموحاتكم؛ فالعطاء رحلة مستمرة، وأجمل ما فيها أن نترك أثرًا طيبًا يبقى حتى بعد انتهاء المبادرة.
