ثقافة

سلطنة عُمان تصنع الحكايات في معرض الشارقة الدولي للكتاب

04 نوفمبر 2026
04 نوفمبر 2026
ضمن مشاركتها كضيف شرف في الدورة الـ45..

لم يكن افتتاح جناح سلطنة عُمان في معرض الشارقة الدولي للكتاب بمثابة مشاركة ثقافية فحسب، وإنما هي علاقات طويلة متجذرة بانت ملامحها في التاريخ والثقافة والمعرفة، ارتباط بحري وبرّي قارب بين الدولتين حتى غدا قاطنوها مرتبطين بعلاقة وثيقة أخوية، وما كانت الثقافة إلا أحد تلك الروابط وأشدها متانة.

فجاء الكتاب العُماني عبر جناح سلطنة عُمان الذي يشبه في تصميمه السفينة، وعبر بحر مرتبط هو الآخر، حطّ رحاله بكل ثبات، لتُفتح صفحاته أمام جمع من الزوّار في واحد من أكبر معارض الكتب وأهمها في الوطن العربي.

جاء افتتاح الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، وحضور معالي سعود بن هلال البوسعيدي، وزير الثقافة والرياضة والشباب.

تضمن الافتتاح احتفاءً بالثقافة العُمانية من خلال جولة حاكم الشارقة ونائبه ومعالي وزير الثقافة بين أركان جناح ضيف الشرف، الذي يضم 25 جهة، تمثل مؤسسات حكومية ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات أهلية، إلى جانب (17) دار نشر عُمانية، بالشراكة مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ووزارة الإعلام، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة التراث والسياحة، وجامعة السلطان قابوس، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، والجمعية العُمانية للكتاب والأدباء، والنادي الثقافي، ومركز ذاكرة عُمان، ومؤسسة بيت الزبير.

ويلوح لكل زائر للمعرض عند ولوجه إلى المعرض تصميم الشراع في مقدمة جناح سلطنة عُمان، داعيًا زوار المعرض لاكتشاف الحكاية، والبحث عن إجابة لسؤال يتردد في ذهن كل زائر لهذه الدورة للمعرض: ما هي الحكاية هنا؟ سؤالًا صنعه شعار المعرض «حين تصنع الحكايات».

جناح ضيف الشرف يحكي

وحكاية جناح سلطنة عُمان جاءت على هيئة تاريخ طويل، وثقافة ترجمها وجود عدد من المخطوطات أبرزها: مخطوط «المحاربة»، وهو مخطوط فقهي للمؤلف بشير بن محمد بن محبوب، ويعد من أقدم المصنفات في فقه السياسة الشرعية، ويتميز بندرة الموضوع، كما يُعرض في الجناح مخطوط «معدن الأسرار»، وهو مخطوط في علم البحار، تأليف النوخذة والبحار ناصر الخضوري، ويعد من أول المخطوطات العُمانية المدرجة في سجل ذاكرة العالم باليونسكو في ٢٠١٧، كما يحوي الجناح «مصحف القراءات السبع»، وهو مخطوط بخط الشيخ عبدالله بن بشير الحضرمي (ق ١٢هـ).

كما يحظى الجناح بعرض «مجموع في السير والجوابات» الذي يعد من أقدم المخطوطات المعروفة بسلطنة عُمان إلى الآن، ويحتوي على مجموع سير وجوابات متناثرة، وهو من أقدم الكتابات التاريخية عند العُمانيين، تم نسخه سنة (٥٣١هـ/ ١١٣٧م)، إضافة إلى مخطوط مجموع في الطب للمؤلف الطبيب العُماني راشد بن عميرة بن ثاني بن خلف الهاشمي العيني الرستاقي، عاش بين القرنين (١٠-١١هـ)، إلى جانب كتاب «تنزيه الأبصار»، وهو كتاب في أدب الرحلات يوثق رحلة السلطان برغش بن سعيد (١٣٠٥-١٢٨٧ هجري/ ١٨٨٧-١٨٧٠م) من زنجبار إلى بريطانيا، وقد استغرقت الرحلة أربعة أشهر وثمانية عشر يومًا.

ويحتضن الجناح مجموعة من المعارض والأركان المتخصصة، من أبرزها: معرض النتاج الفكري العُماني، ومعرض (خبايا من التراث العُماني)، الذي يضم عشر لوحات تستعرض الحضارة العُمانية ومقوماتها التاريخية، وركن لأبرز الإصدارات العُمانية، ومعرض للتراث الفكري والثقافي العُماني، بالإضافة إلى لوحة تعريفية بتاريخ مسارات التواصل البحري بين الشارقة والنواخذة العُمانيين، وصولًا إلى مسندم وقلهات وصور وظفار.

كما يضم الجناح ركنًا للواقع الافتراضي والمعزز (VR) يستعرض عددًا من المفردات الثقافية العُمانية، ومعرضًا للخط العربي الكلاسيكي يضم ست لوحات لفنانين عُمانيين، مستوحاة من النقوش والزخارف الواردة في المخطوطات العُمانية والعربية، وركن منصة (عين)، لعرض الكتب الإلكترونية والسمعية بهوية المنصة، ومعرضًا للشخصيات التاريخية العُمانية المؤثرة عالميًا، وكذلك معرض (وجوه وأزياء عُمانية)، الذي يضم ستة مجسمات وست لوحات مصورة لها، ولوحات تعريفية بعنوان (التواصل الحضاري عبر الأزمنة)، تستعرض المسيرة التاريخية للمخطوطات والمطبوعات العُمانية.

كما يوجد ركن متخصص للترويج السياحي، وشاشة عرض للأفلام الترويجية والسياحية القصيرة التي تسلط الضوء على المقومات التاريخية والجمالية، إلى جانب المجلس العُماني لتقديم الضيافة العُمانية وتعريف الزوار بجوانب من الموروث الاجتماعي والثقافي.

ويعرض الجناح كتاب «أسماء النواخذة» الذي جمعه الباحث بدر بن سيف الراجحي، حيث وردت أسماء مجموعة من النواخذة من دولة الإمارات العربية المتحدة في دفاتر المحكمة الشرعية بمطرح من سلطنة عُمان بين سنتي (1353-1393هـ/ 1934-1973م)، وقام بإصدار الكتاب مركز ذاكرة عُمان.

وتضمن الافتتاح كلمة ضيف الشرف ألقاها معالي السيد سعود بن هلال البوسعيدي، وزير الثقافة والرياضة والشباب، قال فيها: «إن مشاركة سلطنة عُمان كضيف شرف في هذا المعرض العريق تُعد فرصة سانحة لمد جسور التواصل الثقافي، وفتح آفاقٍ أرحب للتعريف بالمنجز الثقافي العُماني على تنوعه وثرائه، وتعزيز التبادل الثقافي مع الشعوب والحضارات، وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية؛ إيمانًا بأن الثقافة ليست قطاعًا معنيًا بإنتاج المعرفة وصون التراث فحسب، وإنما ركيزة أساسية لبناء الإنسان وترسيخ القيم ونهضة الأمم.

وإني أتطلع من خلال هذه المشاركة إلى تعزيز التعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة والدول الشقيقة والصديقة، لخدمة الحراك الثقافي في ميادين النشر والترجمة والبحث العلمي والفنون وغيرها من المبادرات الملهمة للكُتّاب والمثقفين».

كما ألقت الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي كلمة خلال الافتتاح قالت فيها: «اخترنا لهذا العام شعار من صنع الحكايات لأن الحكايات التي نقرأها ونسمعها ونرثها هي من تصنع هويتنا، وكل واحد يصنع حكاية لمن يأتي بعده، وللشارقة حكاية خاصة بدأت بالكتاب واتسعت لتصبح مشروعًا واسعًا للثقافة والمعرفة وصنع الإنسان».

وتم خلال الافتتاح تكريم الكاتب والناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين، الشخصية الثقافية للمعرض، الذي ألقى كلمته التي عبّر فيها عن سعادته وامتنانه، معتبرًا أن لحظة التكريم هذه من أهم لحظات حياته لما لها من مكانة في الثقافة العربية، مع تسليط الضوء على إسهاماته الثقافية والاحتفاء بالبعد الإنساني للثقافة.

وتضمن الافتتاح تكريم الفائز بجائزة ترجمان، وهو ترجمة كتاب «ألف ليلة وليلة» من العربية إلى اللغة الكاتالونية، الصادرة عن دار النشر الإسبانية، وأطلق حاكم الشارقة جائزة تحمل اسم «هارون الرشيد في العلوم والآداب والفنون والإعلام»، وهي جائزة دولية للعلماء والباحثين والدارسين، تقديرًا للعلم والدراسات والبحث، يتم الاحتفاء بـ٤ شخصيات، كما أعلن القاسمي عن كتابه الجديد «البرتغاليون في المحيط الهندي أحداث في حوليات (من 1497 إلى 1750م)»، ودشّن أيضًا الموقع الإلكتروني للموسوعة العربية الشاملة.

فعاليات ثقافية

وينطلق البرنامج الثقافي المصاحب للمشاركة العُمانية، الذي بلغ عدد فعالياته 28 فعالية متنوعة، مساء اليوم، بمشاركة نخبة من المثقفين والباحثين والأدباء، حيث بدأت الفعاليات بعرض أدائي فني بعنوان: «عُمان عبر العصور»، يستعرض عمق التواصل العُماني مع الحضارات عبر البحار، مستحضرًا أمجاد عُمان البحرية التي مثّلت جسورًا للتبادل الثقافي والحضاري.

ويستضيف المعرض اليوم ندوة بعنوان «الوئام الاجتماعي في سلطنة عُمان: بين الإرث الحضاري والتحولات المعاصرة»، بمشاركة الدكتور بدر بن سعود الدغيشي، كما تنفذ في نفس اليوم عبير بنت خلفان الرواحي ورشة للأطفال بعنوان «بيتي يتكلم»، يتدرب خلالها المشاركون على تأليف قصص تستلهم شخصياتها من الأدوات التراثية.

ويشهد يوم الجمعة 6 نوفمبر جلسة «المبادرات والمراكز الثقافية الأهلية في عُمان: شراكة مجتمعية في صناعة المشهد الثقافي»، بمشاركة الدكتورة فاطمة العلياني، وإشراق النهدي، والدكتور صالح بن سعيد الحمداني.

ويختتم اليوم بأمسية مشتركة للشعر الفصيح، يشارك فيها الشعراء العُمانيون يوسف الكمالي والدكتورة شميسة النعماني، إلى جانب الشاعرين الإماراتيين الدكتور حسن النجار وشيخة المطيري.

ويقدم جناح سلطنة عُمان، يوم السبت 7 نوفمبر، ورشة بعنوان «من الحكاية الشعبية إلى النص الحديث: مختبر إعادة الكتابة»، للدكتورة وفاء الشامسي، التي تهدف إلى تطوير قدرات الكُتّاب على إعادة كتابة الحكاية الشعبية والمحتوى التراثي بطرق إبداعية.

ويستضيف المعرض في اليوم نفسه جلسة «المواقع الأثرية العُمانية: دهشة الماضي وأسراره المجهولة»، بمشاركة الدكتور محمد بن علي البلوشي ومعطي بن سالم المعطي، تليها جلسة «مبدعون على منصة التتويج»، التي تجمع الدكتور محمد اليحيائي وزهران القاسمي، وحسن المطروشي والدكتور عبدالعزيز العميري.

ويتواصل البرنامج يوم الأحد 8 نوفمبر، حيث تستضيف فعاليات اليوم جلسة «الشعر العُماني في عهوده الأولى»، بمشاركة الدكتور أحمد محمد عبيد من دولة الإمارات.

ويشهد يوم الاثنين 9 نوفمبر جلسة «الهوية العربية في كتب الأطفال المصورة»، بمشاركة ابتهاج الحارثي، وعذاري الشيذاني، والكاتبة والرسامة الإماراتية ميثاء الخياط. وتقدم فوزية الفهدية ورشة تفاعلية بعنوان «حكاية في بخشة».

أما جلسة «عُمانيون في مختبرات المعرفة»، فتجمع الأستاذ الدكتور محمد بن حمدان البادي، والأستاذ الدكتور عبدالله بن حمد البادي، المتخصصين في أبحاث الطاقة المتجددة والشبكات الكهربائية، والأستاذ الدكتور أحمد بن سليمان الحراصي، المتخصص في الكيمياء العضوية.

ويخصص برنامج يوم الثلاثاء 10 نوفمبر جلسة للقصة القصيرة بعنوان «القصة القصيرة العُمانية المعاصرة: تحولات السرد وأسئلة التجديد»، بمشاركة الدكتور محمود الرحبي، ويحيى سلام المنذري، وليلى عبدالله.

كما تقدم مريم بنت علي القمشوعي ورشة «بوصلة الألوان في المواسم العُمانية»، التي يتعرف فيها الأطفال على أحد المواسم في عُمان (القيظ، الخريف، الصِرب، الورد) وربطها بالهوية والبيئة.

ويشهد يوم الأربعاء 11 نوفمبر ورشة «اركب معنا بساط الخيال»، التي يقدمها الكاتب والحكّاء أحمد بن ناصر الراشدي.

ويستضيف المعرض في اليوم نفسه جلسة «المنجز التشكيلي العُماني المعاصر»، بمشاركة الفنان حسين عبيد، إلى جانب جلسة تفاعلية بعنوان «منصة عين.. واجهة الطفل ورحلة الكتاب الصوتي»، يقدمها سيف بن سلطان الشيذاني.

وفي يوم الخميس 12 نوفمبر، يلتقي جمهور المعرض مجموعة من الشعراء في أمسية مشتركة للشعر الشعبي، بمشاركة عبدالحميد الدوحاني، وحمود بن وهقه، وسعيد الكعبي، والشاعرة الإماراتية زينب البلوشي، إضافة إلى ورشة «الكتابة الإبداعية لليافعين»، لعبير بنت خلفان الرواحي.

وتتواصل فعاليات البرنامج يوم الجمعة 13 نوفمبر بمحاضرة بعنوان «حين تبحر الذاكرة: السفن العُمانية الحديثة جسرًا بين الحضارات»، تقدمها الدكتورة مريم بنت سعيد البرطماني.

ويختتم البرنامج الثقافي يوم السبت 14 نوفمبر بفعالية «حكايات الكتب العربية وراء البحار»، التي يقدمها الكاتب والحكّاء أحمد بن ناصر الراشدي للأطفال.

وتجمع الدورة الـ45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب ناشرين وكُتّابًا ومبدعين من مختلف أنحاء العالم، ضمن برنامج حافل بالجلسات الثقافية والأدبية والفعاليات المعرفية وورش العمل، التي تستقطب القراء والمهتمين بالكتاب وصناعة النشر من مختلف الفئات العمرية.

وتمثل البرامج المصاحبة لهذه المشاركات فضاءً رحبًا لتعزيز الحوار الثقافي، وتبادل الخبرات، وبناء جسور التواصل بين المثقفين والمبدعين والناشرين من مختلف دول العالم.

وتسهم كذلك في تقديم الصورة الحقيقية لسلطنة عُمان، بما تتسم به من إرث حضاري عريق، وتنوع ثقافي ثري، وانفتاح على مختلف الثقافات.

يأتي هذا الحضور منسجمًا مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" والاستراتيجية الثقافية الوطنية، من خلال دعم إسهام الثقافة في مسارات التنمية، ونشر المعرفة والوعي، وتحفيز الإبداع، وتعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية، والتعريف بالمنجز الثقافي العُماني، والترويج للإنتاج الفكري والأدبي، ودعم صناعة الكتاب والنشر، والتعريف بالمواقع الثقافية والسياحية التي تزخر بها سلطنة عُمان، فضلًا عن الاستثمار في الثقافة بوصفها رافدًا مهمًا من روافد التنمية المستدامة والقوة الناعمة.