تقرير رويترز والأخبار منزوعة الدسم

03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026

ارتبطت علاقتي بالصحافة منذ بدايتها بأسماء صحف ومجلات كنت أحرص على متابعتها، وكتّاب وصحفيين أنتظر مقالاتهم وأعمالهم.

وكانت لي صفحات أنتقل إليها فور الحصول على الصحيفة، وأسماء أبحث عنها قبل أن أبدأ قراءة بقية المواد.

وأظن أن كثيرين من أبناء جيلي عاشوا هذه العلاقة، وعرفوا ذلك الشعور الذي يجعل وصول العدد الجديد موعدًا متجددًا مع أشخاص وأفكار وصفحات ألفناها.

وكانت معرفتنا بأصحاب ما نقرأ تمنح الكلمات رونقًا خاصًا، وتجعل الاتفاق أو الاختلاف مع ما يطرحونه جزءًا من علاقة تستمر وتتطور مع الوقت.

بعد سنوات طويلة نسبيًا، بدأ هذا الارتباط يضعف عندما انتقلت الصحف إلى الفضاء الإلكتروني. صرنا نقرأ المادة الصحفية منفردة، وربما نغادر موقع الصحيفة دون المرور بمواد أخرى.

واتسعت المسافة مع ظهور شبكات التواصل والمنصات الرقمية، وأصبح الخبر أو المقال يصلنا عبر حسابات الصحيفة بعنوان وكلمات قليلة وصورة أو مقطع فيديو ورابط ينقلنا، إذا شئنا وسمح الوقت، إلى الموقع.

اليوم أشعر بأن هذه الصلة تزداد ضعفًا مع اتساع حضور تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الساحة المعلوماتية؛ فهذه التطبيقات أصبحت قادرة، بطلب مباشر وقصير منا، على أن تجمع في ثوانٍ معدودة الأخبار والمقالات التي نريدها وتلخصها وتشرحها، فنحصل على ما نحتاج إليه، دون أن نعرف من أنتجها وأين نُشرت.

ولذلك أشعر، وأنا أتأمل هذه الرحلة، بأن الأشياء التي كانت تمنح قراءة الصحف مذاقها الخاص تتساقط في الطريق.

حاصرتني هذه الأفكار وأنا أطالع تقرير «الذكاء الاصطناعي التوليدي والأخبار 2026»، الصادر عن معهد رويترز بجامعة أكسفورد، والمنشور الخميس الفائت، ويتضمن نتائج مسح إلكتروني أجرته شركة «يوغوف» البريطانية المتخصصة في استطلاعات الرأي وأبحاث السوق وتحليل البيانات خلال أغسطس وسبتمبر الماضيين، وشمل نحو ألفي مشارك في كل دولة من تسع دول، هي الأرجنتين وأستراليا والدنمارك وفنلندا وفرنسا واليابان والنرويج وبريطانيا والولايات المتحدة.

واقع الحال أنني توقفت طويلًا أمام هذا التقرير رغم أن قراءة الأرقام التي خلص إليها تظل مرتبطة بحدوده الجغرافية التي لم تشمل أية دولة عربية، وهذا ما يدفعني إلى التساؤل عما يمكن أن تكشفه دراسة مماثلة في مجتمعاتنا العربية، التي تتداخل فيها مصادر الأخبار والمعلومات وطرق تداولها مع عادات اجتماعية ولغوية مختلفة.

دلالات التقرير كثيرة؛ لعل أولها تصدّر «تشات جي بي تي» الاستخدام الأسبوعي للمشاركين في الدول الست التي تتوافر عنها بيانات مقارنة، بنسبة 34 في المائة، تلاه «جيمناي» بنسبة 24 في المائة، ثم «كوبايلوت» بنسبة 11 في المائة، و«كلود» بنسبة 7 في المائة.

وتعيدني هذه الأسماء إلى بداية الحكاية.

فقد يصبح اسم التطبيق هو الاسم الذي يحتفظ به المستخدم في ذاكرته، ويربطه بالحصول على خبر أو معلومة. ومع تكرار الاستخدام، يألف الفرد طريقة التطبيق في الشرح والاختصار والتوسع، وتنشأ بينهما علاقة مريحة.

وفي أثناء ذلك، قد تتوارى من وعي القارئ أسماء المؤسسات الصحفية والإعلامية التي جمعت الأخبار، والكُتّاب الذين نشروا المقالات، والصحفيين الذين ذهبوا إلى مواقع الأحداث.

ويزداد الأمر تعقيدًا مع استخدام أكثر من تطبيق؛ فقد يمنح ذلك إحساسًا بتنوع المصادر رغم احتمال اعتمادها على المواد نفسها. وتزداد أهمية معرفة أصل المعلومات في القضايا الخلافية والروايات التي يصعب التحقق منها.

ثاني الأرقام ذات الدلالة أن الاستخدام الأسبوعي العام للذكاء الاصطناعي في الدول الست بلغ 51 في المائة، وبلغت نسبة من استخدموه للحصول على المعلومات 38 في المائة، وللحصول على الأخبار 9 في المائة.

وتضع هذه الأرقام الظاهرة في حجمها؛ فاستخدامات الأدوات تغطي احتياجات واسعة، ويظل استخدامها الإخباري المباشر محدودًا نسبيًا.

وعلى هذا الأساس يبدو لي انقطاع الصلة بين القراء والصحافة مسارًا مستقبليًا محتملًا لدى بعضهم، وليس مسارًا حتميًا.

ومع ذلك فإن الخطورة على الصحافة تظل قائمة، إذ قد يستمر الإنسان في الاستفادة من العمل الصحفي كل يوم، في الوقت الذي تتضاءل فيه قدرته على تذكر المؤسسة التي أنتجته. وهنا يظهر معنى «نزع الدسم» الذي أوردته في عنوان هذا المقال، ويعني تحديدًا بقاء الخبر والمعلومة مع تراجع السياق، وصوت الكاتب، والإسناد إلى المصادر.

الدلالة الثالثة في تقرير رويترز تتعلق بمحركات البحث؛ إذ أفاد 57 في المائة في الدول التسع أنهم صادفوا إجابات أو ملخصات مولّدة بالذكاء الاصطناعي في محركات البحث خلال الأسبوع السابق للمسح.

وقد تغري هذه الإجابات المستخدم بالاكتفاء بها وتجاوز الروابط. ربما كانت المعلومات المقدمة صحيحة، وكان الاختصار مفيدًا، ومع ذلك تظل هناك تفاصيل تتحدد قيمتها بحسب الحدث أو القضية مثل تاريخ التصريح، وظروف الإدلاء به، وهوية من اعترض عليه، وما بقي مجهولًا وقت النشر.

نعم قد يؤدي حذف هذه التفاصيل إلى جعل النص أكثر اختصارًا وسلاسة، لكنه يضيق في نفس الوقت المساحة التي يرى منها القارئ الحدث ويفهم ملابسات القضية.

ولعل هذا ما يدفعني إلى التفكير في الأثر الذي تتركه النبرة الواثقة للإجابة في تقديرنا لما تقدمه لنا هذه التطبيقات؛ ففي الصحيفة أستطيع أن أرى أن هذا رأي كاتب، وأن ذاك تصريح مسؤول، وأن رواية ثالثة جاءت على لسان شاهد عيان.

وعندما تجتمع هذه المواد في ملخص قصير واحد، فإن تمييز طبيعتها ودرجة اليقين فيها يصبح صعبًا، خاصةً إذا غاب منها الإسناد الواضح إلى المصادر.

وقد يبدو اتساق الصياغة اتفاقًا بين المصادر، أو تتحول عبارة متحفظة إلى تقرير قاطع.

ويزداد وزن هذا الاحتمال حين نحاول فهم نزاع سياسي أو قرار يمس حياتنا؛ فمعرفة موضع الاختلاف تساعدنا على تقدير ما قيل، وتترك أمامنا فرصة لتكوين حكمنا الخاص.

يشير التقرير، وهذه هي الدلالة الرابعة، إلى استعانة 49 في المائة من الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار به لطرح أسئلة متابعة عن القصص الإخبارية.

وتكشف هذه النتيجة جانبًا يستحق التأمل في وصفنا للأخبار المقدمة عبر التطبيقات بأنها منزوعة الدسم. فالمحادثة بين المستخدم والتطبيق قد تعيد إلى الخبر سياقًا افتقده القارئ، وتشرح له مصطلحًا استعصى عليه، وتربط الوقائع بخلفياتها التاريخية.

هنا يصبح السؤال الذي يطرحه الإنسان على الآلة عاملًا مؤثرًا في مقدار ما يحصل عليه من فهم. تخيل قارئين أمام الخبر نفسه؛ يكتفي أحدهما بسطور قليلة، ويتابع الآخر بأسئلة تمكنه من الحصول على تفاصيل أوسع.

ومن هنا ترتبط جودة ما نحصل عليه باستعدادنا لسؤال التطبيق، وبقدرتنا على إدراك ما نحتاج إلى معرفته، وبدقة إجابات التطبيق.

الدلالة الخامسة والأخيرة أن 67 في المائة من المشاركين في المسح أعربوا عن ارتياحهم للأخبار المنتجة بالكامل بشريًا، في مقابل 45 في المائة للإنتاج البشري بمساعدة الذكاء الاصطناعي، و12 في المائة فقط للإنتاج الآلي الكامل.

توقفت عند هذه النتيجة بشيء من الارتياح؛ فهي تشير إلى بقاء قيمة للحضور الإنساني في الأخبار.

فالقارئ قد يستعين بتطبيق ذكاء اصطناعي في تلخيص الأخبار وشرحها، ومع ذلك يظل راغبًا في أن يكون وراء الخبر إنسان يقدّر الأدلة ويتحمل مسؤولية النشر.

وأحسب أن معرفة صاحب العمل الصحفي تمنح المتلقي شيئًا يصعب اختزاله في جودة الصياغة؛ فهي تتيح له أن يتتبع تاريخ المصدر، ويفهم اختياراته.

أعود مجددًا إلى الصفحات التي كنت أبحث عنها فور وصول الصحيفة. كانت تجمع لي المعلومة بصوت صاحبها، وتضع أمامي أحيانًا موضوعًا لم أفكر في البحث عنه.

وأقارن ذلك بما قد يصلنا من أخبار منزوعة الدسم، حين تنفصل الإجابات عن سياق إنتاجها وأصحابها، ولعل هذا ما يعيد التأكيد على أن بعض قيمة الصحافة يكمن في معرفة الطريق إلى المعلومات، وفي الوجوه والأسماء التي جعلت هذا الوصول ممكنًا.