ماذا نريد من صُنّاع السوق؟

03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026

تشير بيانات التداول الصادرة عن بورصة مسقط إلى ارتفاعٍ ملحوظٍ لنشاط صُنّاع السوق خلال العام الجاري خاصة الصناديق التي تدار من قبل المتحدة للأوراق المالية وأوبار كابيتال والرمز كابيتال بالإضافة إلى صندوق تنمية السيولة والتي لعبت دورا رئيسا في زيادة أحجام وقِيَم التداول لتشهد بورصة مسقط حتى نهاية أكتوبر الماضي تداولات بأكثر من 11 مليار ريال عماني مقابل نحو 3.5 مليار ريال عماني خلال الفترة المماثلة من العام الماضي.

وعلى الرغم مما حققه صُنّاع السوق من دور إيجابي في التداولات، وإعادة ثقة المستثمرين إلى البورصة، وتشجيع المؤسسات الاستثمارية والأفراد على الاستثمار في بورصة مسقط إلا أن التراجعات التي تشهدها البورصة منذ عدة أسابيع تستدعي مزيدا من النقاش حول دور الصناديق في تحقيق الاستقرار للبورصة بما يدعم ثقة المستثمرين الأفراد فيها خاصة أن التراجعات التي شهدتها العديد من الأسهم القيادية تجاوزت 20 بالمائة عن أعلى مستوياتها خلال العام الجاري وهي تراجعات -في نظرنا- تؤثر على استقرار بورصة مسقط وعلى ثقة المستثمرين فيها، مع الإشارة إلى أن التراجعات التي نتحدث عنها سجلتها الشركات بعد أن أعلنت عن ارتفاع أرباحها الصافية في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، وهو ما يعني أن التراجعات المسجلة لا مبرر لها.

وهنا يأتي الحديث عن أهمية دور صُنّاع السوق في استقرار البورصة ورفع كفاءة التداول فيها، وفي نظرنا أن دورهم يتجاوز زيادة أحجام وقيم التداول ليشمل تعزيز الثقة وتشجيع المستثمرين الأفراد على الاستثمار في البورصة إلى جانب القدرة على امتصاص فائض البيع سواء من الأفراد أو المؤسسات الاستثمارية الخليجية والأجنبية، ومع التوقعات المتفائلة بترقية بورصة مسقط من قبل مؤسسة فوتسي راسل من تصنيف سوق مبتدئة إلى سوق ناشئة وما تعنيه هذه الترقية من ازدياد الاستثمارات الأجنبية في البورصة فإن دور صُنّاع السوق سوف يزداد أهميةً لأن المؤسسات الاستثمارية الأجنبية -كما نعلم- تبحث عن الأسواق الواعدة وفي الوقت نفسه يمكن أن تخرج منها بعد حينٍ عندما ترى سوقا أخرى أكثر نشاطا وهنا يأتي دور الصناديق والمؤسسات الاستثمارية المحلية في احتواء البيع الأجنبي والمحافظة على استقرار بورصة مسقط.

إن دور صُنّاع السوق في تحقيق الاستقرار لبورصة مسقط يبدأ من خلال توفير السيولة بصورة مستمرة وتحقيق التوازن بين العرض والطلب والمبادرة في ذلك بما يتيح للمستثمرين تنفيذ صفقاتهم بسهولة أكبر وفي الوقت نفسه الحد من التقلبات الحادة التي تشهدها البورصات أثناء الأزمات المالية والاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، وعلى الرغم من أن هذا الدور لا يعني أن واجبَ صُنّاع السوق منعُ التراجعات التي تشهدها الأسهم في الدورات المعتادة لتراجع الأسواق وعمليات البيع لجني الأرباح، غير أننا نجد أنه من المهم أن يُسهم صُنّاع السوق في الحد من الاختلالات المؤقتة بين العرض والطلب، وتقليص حدة التحركات السعرية الناتجة عن ضعف السيولة خاصة أن أغلب التداولات التي تشهدها بورصة مسقط تتم من قبل الصناديق والمؤسسات الاستثمارية المحلية التي تستحوذ على نحو 75٪ من التداولات، وهذا يعني أن دورها مؤثر في اتجاهات البورصة صعودا أو هبوطا، وبحسب بيانات أكتوبر الماضي شكلت مبيعات المستثمرين الأفراد 15.7٪ من إجمالي قيمة التداول البالغة حوالي 1.3 مليار ريال عماني فيما بلغت مبيعات المؤسسات الاستثمارية الخليجية والأجنبية 10٪.

وبناء على كل ما سبق؛ فإنه من المهم أن يركز صُنّاع السوق في بورصة مسقط خلال المرحلة المقبلة على زيادة عمق السوق من خلال توفير سيولة أكثر استدامة، والعمل على جذب المؤسسات الاستثمارية عبر تحسين قدراتها على تنفيذ صفقاتها دون إحداث تأثيرات سعرية كبيرة، بالإضافة إلى تعزيز الثقة لدى المستثمرين الأفراد والحد من الفجوات السعرية والتذبذبات الناتجة عن محدودية الطلب والعرض، وهي عناصر من شأنها تعزيز جاذبية بورصة مسقط لتكون وجهة استثمارية رئيسية في المنطقة؛ تجتذب المستثمرين وتشجعهم على ادخار استثماراتهم في الشركات المدرجة بها، وبمعنى آخر فإن البورصة «القوية» لا تحتاج فقط إلى شركات ذات أداء مالي جيد، وإنما تحتاج أيضا إلى سيولة مستدامة، وقاعدة متنوعة من المستثمرين، وآليات تداول تضمن كفاءة انتقال الأموال بين الأوراق المالية، وهو ما يعني أن دور صُنّاع السوق يعتبر أحد المسارات التي يمكن من خلالها تعزيز جاذبية بورصة مسقط على المستويين المحلي والدولي وليس مجرد أداة لزيادة قيمة التداولات وعدد الصفقات المنفذة.