أنا مخطئة

03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026

أثارت اهتمامي فعالية أقيمت في البحرين بمناسبة إطلاق المجموعة الشعرية الجديدة «امرأة من الهامش» للشاعرة فتحية العجلان.

لطالما أُعجبت بها وبتجربتها، تعرّفتُ عليها من خلال رائعة عبدالله الرويشد، أغنية «تصور»، وهي من ألحان خالد الشيخ أيضًا.

أعدّها من أعذب الأغاني الخليجية وأكثرها شجنًا، عندما يشدو عبدالله: «تصور لو خلت هالديرة من عينك وش أشوف، ينبت عليها الحزن وأصير أنا كالعود»، والجملة الغنائية الأجمل بالنسبة لي: «لا عدم صوتك ولا خلا من منك مكان، يا أحلى أيام العمر، يا أغلى كلمة في الصدر».

لكن لم تكن فتحية العجلان وحدها من أسرتني وقتها. تقرأ المجموعة الشعرية بمرافقة الغناء الشاعرة البحرينية «جمانة القصاب».

قُدّمت الدعوة لحضور تدشين المجموعة لمجموعة خاصة من الحضور، مع رسالة مفادها أن الفعالية قد تُلغى أو تُؤجّل بسبب انشغالات المرأة أيضًا، وأي انشغال؟ إنه «الأمومة»؛ ذلك أن جمانة القصاب كانت بانتظار ولادة ابنها الأول في نفس أيام الفعالية. جاء هذا التزامن بين الحدثين ليكون وجهًا شعريًا لعالم واحد.

فالمرأة التي تسكن الهامش، هو الهامش نفسه الذي تتعقد فيه الأمومة، وتتم مساءلتها واختبارها باعتبار التساؤل عنها واليقين بأنها تجربة شخصية، وهو ما يتعارض مع حضور الأمومة في المتن الثقافي العام، كما تقول إيمان مرسال في كتابها «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها».

وبهذا فإن إلغاء الفعالية سيكون مقطعًا جديدًا في المجموعة الشعرية نفسها حتى وإن لم يُكتب بين دفتي الكتاب.

أنا مولعة بقصة التشويش والأخطاء، كتبتُ قبل سنتين في عمودي هذا مقالة من بين مقالات عديدة عن ارتكاب الأخطاء وحلاوة النقص بعنوان «مرحى للأسطح المخدوشة»، لكننا اليوم إذ ننظر للأمر نفسه ونشعرنه، من «الشعر»، فنحن إزاء وضع جديد نوعًا ما؛ إذ إن الذكاء الاصطناعي جاء ليصادق على رغبة قهرية مقيتة، وهي الهوس بالنقاء كما أُطلقُ عليه، نريد من مسودات كتبنا أن تكون خالية من الأخطاء والإخفاقات، ويخفى على كثير منا أننا بهذا نطلب ألّا تكون بشرية.

هنالك مفارقة طريفة في هذا السياق، إذ إن الهفوات باتت مهمة حتى إن اختراعها أصبح يدل على ذكاء وفطنة، فكثير من الناس بحسب ما سمعت وقرأت، يقومون بتشويه نصوصهم عمدًا، أو إضافة أخطاء طفولية فيها، سواء في الإملاء أو الأفكار، لأنها عادة ما تكون نصوصًا مولدة عبر الذكاء الاصطناعي، أتحدث بشكل خاص عن الطلبة في المدارس والجامعات، أخبرتني صديقة بهذا.

إنهم أخيرًا يتعمدون الأخطاء، والمضحك أيضًا أنك قادر على أن تطلب من «شات جي بي تي» أو أي من تنويعاته أن يجعل نسختك أكثر «بشرية» وأن يساعدك في إضافة الأخطاء.

كنتُ أستمع لحوار مع الفائزة بجائزة نوبل للأدب هذا العام «آن كارسون»، والتي آمل أن أكتب قريبًا عن كتابها الرائع «أيروس: الحلو والمر».

عمومًا تحدثت كارسون عن فعالية لم أعرف الكثير من التفاصيل عنها، إلا أنها حول كتابة ثيمتها التردد والخطأ، هي أيضًا تحب الأخطاء كثيرًا، صاحبَ حدثَ القراءة العامة للنص تشويشٌ مقصود من قبل فنانين آخرين معها، لم يكن الأمر مرتبًا له، أعني شكل هذا التشويش وموقعه من قراءة هذه الأديبة الهادئة والساخرة والتي تصمتُ أكثر مما تتحدث، إلا أن هذا العرض كان يقول عبر شكله ما يعبّر به مضمونه أيضًا.

كم أذهلني افتعال التشويش هذا.

أفكر في الأخطاء في حياتي اليومية كل يوم. أنا لستُ جيدة أبدًا في الفهم، وفي التعامل مع الواقع عمومًا.

أُخفق في التقدير، وأُخفق في التصرف على نحو لائق أو بالطريقة التي يُتوقع بها أن أتصرف، لكن ما الذي يخفيه اتجاه «اللائق» هذا؟ إنه تحديد، تأطير، اختيار، واستبعاد، أليس كذلك؟ إنه إذن طريق لحقيقة واحدة، لوجه واحد ينبغي أن يكون هو القاعدة، المرجع أو سمّها ما شئت.

أليست هذه بالذات مصادرة للحرية؟ أليست الرغبة في صورة «نقية واحدة» نزعًا لإرادتي وتجربتي الشخصية بكل محاسنها وقبحها؟ أليست رفضًا لإنسانيتي، لبشريتي؟

إننا لا ندرك أننا بتحديد «الطبيعي» أو ما يخرق هذا الطبيعي، نعيد إنتاج الواقع نفسه الذي يقسو علينا، ثم إننا نسلّمُ بوجه واحد للعالم، تُرى من يختار هذا الوجه؟ أي «دمقرطة» ضائعة ومفرّط بها في هذا النوع من الاختيار والتسليم؟ من سيكون صاحب «الحقيقة»؟ ربما لهذا يحدث النزاع المستمر فيما بيننا، إنْ على مستوى شخصي، أو على المستوى العام، إنها محاولة ليكون وجه ما هو الطبيعي وهو الصائب.

وبذلك يكون التشويش تمردًا، الإيمان به شكًّا يطعن في دوغمائية ما، التشويش هو الشعر، أو الشعر هو التشويش.

لديّ طريقتي إذن في الغضب والحزن، وفي الانفصال وفي الوصال، لديّ طريقتي في كيف سأفعل ما يفعله الناس في العادة ببساطتهم الخاصة، إن لديّ بساطتي الخاصة أيضًا، أو تعقيدي الخاص، وإن مطالبتي باعتماد سلوك ما، والأدهى بالعودة لعلم النفس وهذا مما لا أؤمن به، هي مصادرة فجّة لوجودي.

مرة أخرى، مرحى للأخطاء والتشويش والتردد والإخفاق، والتزامن بين الهامشي والهامشي شكلًا ومضمونًا. مرحى للنقاء ولانعدام النقاء بقدر أعلى. لو لم يكن الخطأ موجودًا والذنب موجودًا فهل سيكون للاعتراف جدوى؟ وإن لم يوجد الخطأ والذنب ف

كيف سنرفض الاعتراف، وسنرفضه بطريقة ما بعينها؟ نرفضه لكي نوجد ونعيش.