الشخصية الدرامية..من الكائن الورقي إلى الهوية الرقمية

03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026

تأسرني الشخصية الدرامية قبل الممثل الذي يؤديها.

حينما أكتب شخصياتي أكون على وعي كبير بأن لها حياتها التي عاشتها، وظروفها التي ستمر بها، وكمّ الأهوال التي ستحدق بها، وما عليها إلا أن تبذل جهدها لتنجو، ثم تسير في خطاها وقد جرّبت الحياة.

والشخصية في العالم الدرامي كيان مختلف، فليست هي الممثل الذي وصفه شكسبير في «ماكبث»، في تأمله فلسفة الحياة:

«ما الحياة إلا ظلّ يمشي،

ممثل مسكين

يتبختر ويستشيط ساعته على المسرح،

ثم لا يسمعه أحد: إنها حكاية

يحكيها معتوه، ملؤها الصخب والعنف،

ولا تعني أي شيء».

والشخصية لدى المقاربة البنيوية كائن ورقي متخيّل، تُقرأ من خلال موقعها ووظائفها وعلاقاتها داخل البناء السردي. وقد تكون بلا اسم ولا هوية محددة ولا مرجعية واقعية.

وقد تأتي حرفًا أو رمزًا، أو نقطةً في مهب الريح. كان أستاذ علم النفس يحدثنا عن الإنسان في المجتمع الصناعي الذي صار مجرد ترس يُضغط عليه لتحريك بقية التروس في الآلة.

فإذا توقفت آلة معينة عن العمل، عرف المشرفون أن رقمًا ما لم يعمل. لقد تطورت مقاربات الشخصية تطورًا هائلًا؛ فكانت لدى الروائيين الواقعيين كتلة من الأبعاد النفسية الغائرة، بينما نظر فلاديمير بروب إلى الشخصية من خلال دورها في سلسلة الوظائف السردية التي تنتظم الحكاية الشعبية.

وخلافًا لما تمنحه بعض المقاربات البنيوية والسيميائية من أولوية لوظائف الشخصية وعلاقاتها داخل النص، تهتم المقاربات النفسية والتاريخية والاجتماعية بملامحها ومواصفاتها وحياتها الكاملة.

وقد تكون لها بطاقة شخصية تتضمن الاسم، ومكان الإقامة، وفصيلة الدم، والنوع، والعلامات الفارقة.

وبما أنها كذلك، فهي تقدر أن تعيش وتعمل وتحب وتناضل وتتمرد وتقاتل وتسقط من أعلى البناية، كما أنها يمكن أن تخطط لتنجو، لكنها تُدهس على قارعة إحدى الطرق.

فإذا رأى مؤلفها أن عليها أن تموت، فعلى ذلك أن يحدث. لكن ماذا يحدث للشخصية حين تصبح هويتها، التي منحها إياها مؤلفها، قابلة للمحو أو الاستبدال بفعل التكنولوجيا؟ وهل تظل الشخصية مالكة لحياتها حين تتحول تفاصيل وجودها إلى بيانات يمكن اختراقها والتلاعب بها؟

في فيلم «The Net» الذي عُرض عام 1995م تتمكن جهة سيبرانية من اختراق أنظمة البيانات الحكومية، ومحو الهوية الرسمية للبطلة أنجيلا بينيت التي أدت دورها ساندرا بولوك، وإحلال هوية بديلة محلها لامرأة ذات سجل إجرامي.

وتظل أحداث الفيلم تتصاعد، ونحن نشاهد البطلة في قالب من الإثارة، وما تقوم به من محاولات صعبة لاسترداد هويتها المفقودة.

وفي سياق فقد الهوية نجد أنفسنا في الحلقة الأولى من المسلسل المصري «في كل أسبوع يوم جمعة» الذي عُرض عام 2020م، أمام شخصية مهندسة الاتصالات «نور» التي تُعلن وفاتها وتفقد هويتها بينما تكون على قيد الحياة، وتُمنح هوية جديدة باسم ليلى إسماعيل عبدالباري، وحياة أخرى فُرضت عليها بينما ظلت حياتها السابقة حاضرة في ذاكرتها.

إذا رجعنا إلى الفترة الزمنية التي ظهر فيها الفيلم نجدها مرحلة التحولات الكبرى في عالم التكنولوجيا، وانتشار الإنترنت والكمبيوتر المنزلي. لقد استطاعت التكنولوجيا اختراق الحياة الإنسانية على نحو متزايد؛ فدخل جهاز الكمبيوتر إلى البيوت، ثم اتسع حضوره لاحقًا مع الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية.

وصاحب ذلك التغير الاجتماعي تطورٌ في جمع المعلومات الشخصية للإنسان، وتحويلها، عبر برمجيات معينة إلى بيانات رقمية مشفّرة أو مخزنة في خوادم واسعة الانتشار.

ومع تطور الأنظمة الرقمية، ظهرت أشكال متباينة من سرقة المعلومات والاختراق الإلكتروني، وأصبح بوسع القراصنة الإلكترونيين ليس اختراق العالم الشخصي فحسب، بل تدمير أنظمة الشركات وتزييف الهويات دون أن يتركوا بالضرورة أثرًا ظاهرًا.

في السينما وعروض المنصات الرقمية تبدو مقاربة عالم اختراق الخصوصية أكثر يسراً من الناحية التقنية؛ لاعتمادها على المؤثرات البصرية والسمعية وتقنيات المونتاج، بينما يشكّل خلق بيئة مماثلة في المسرح تحديًا واضحًا، لا سيما حين يكون المطلوب تحويل الفضاء المسرحي نفسه إلى عالم تتداخل فيه الحياة الواقعية مع المعلومات الرقمية.

ومن العروض البريطانية التي تناولت سرقة البيانات وانكشاف الهويات الشخصية مسرحية «الخصوصية» (Privacy)، من تأليف جيمس غراهام، وإخراج جوزي رورك، التي قُدمت عام 2014م. ويستوقفنا في هذا العرض اختلاف استراتيجيات بناء المتفرج في المسرح المعاصر.

فعلى خلاف العرض المسرحي العُماني «رماد»، للمؤلف والمخرج محمد خلفان، الذي شارك في مهرجان الشفق التجريبي الأول عام 2026م، حيث يوجّه الممثل الرئيس الجمهورَ في الصالة إلى ضرورة إغلاق هواتفهم المحمولة، بهدف إخضاع انتباههم لشروط العرض والدخول في عالمه الدرامي، تدعو جوزي رورك، مخرجة «الخصوصية»، الجمهورَ إلى إبقاء هواتفهم المحمولة مشغّلة.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يتضمن العرض مشاركة عدد من المتفرجين في الكشف عن معلوماتهم وآثارهم الرقمية، من خلال استخدام الهواتف وبيانات متاحة أو مقدمة بموافقتهم، مع توظيف الشاشات الرقمية والإسقاطات البصرية، بحيث تتحول الخشبة إلى فضاء يتداخل فيه الأداء الحي مع العالم الرقمي، ويتفاعل معه الجمهور.

إن الفارق بين تناول السينما والمسرح في الأعمال السابقة لا يعني بالضرورة تقاربها في بنيتها الفنية أو موضوعاتها، لكنه يُظهر لنا، بوصفنا جمهورًا ومتفرجين، الكيفية التي يمكن بها أن تكون التقنية سلاحًا ذا حدين.

ففي فيلم «The Net» تُسرق الحياة الرسمية للبطلة أنجيلا بينيت عبر محو هويتها الرقمية واستبدالها، وفي المسلسل تُفرض على نور حياة أخرى بهوية جديدة، وفي مسرحية «رماد» تُغتصب حياة حنظلة ضمن علاقات اجتماعية وثقافية وسلطوية تقود مجرى الأحداث إلى صدمة ثقافية، بينما يكشف عرض «الخصوصية» كيف يمكن للمتفرج، حين يوافق على مشاركة بياناته، أن يكتشف مقدار ما انكشف من حياته الداخلية أمام الآخرين.

وهنا تتباين استراتيجيات بناء المتفرج. ففي «رماد» يصبح إغلاق الهاتف وسيلة لتنظيم العلاقة بين الصالة والخشبة، ودفع المتفرج إلى الانخراط في التجربة المسرحية، بينما تتحول الهواتف في «الخصوصية» إلى جزء من التجربة نفسها، ويصبح المتفرج مشاركًا في الكشف عن حدود خصوصيته.

وفي الحالتين لا تبدو العلاقة بين العرض وجمهوره مسألة تقنية فحسب، بل تتصل بكيفية بناء وعي المتفرج بما يشاهده وبموقعه داخل التجربة المسرحية.

بدأ يظهر أمامنا قاسم مشترك بين شخصيات الأعمال الفنية السابقة: إنها الحياة الشخصية والسرية للشخصيات، وإن اختلفت صور انكشافها.

فإذا استطاع القراصنة الإلكترونيون اختراق عالم أنجيلا والكشف عن علاقاتها العائلية وصداقاتها وعواطفها، واستبدال هوية نور بأخرى جديدة، فإن حنظلة ينكشف أمام الجمهور وهو يتهاوى بين ثقافته من جهة، والمسؤول في الدولة من جهة أخرى.

ولا ننسى شهادة التخرّج التي يعلّقها كيافطة، مثل كل عاطل عن العمل وجد نفسه خارج منظومة الاعتراف الاجتماعي، في صورة يمكن قراءتها بوصفها إسقاطًا رمزيًا لعلاقة الفرد بالسجلات والمؤسسات التي تمنحه هويته وموقعه في المجتمع.

وكذلك الكاتب في «الخصوصية»، الذي يختار طريقًا محفوفًا بمخاطر التقنية والاستلاب، ويجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بما يستطيع الإنسان الاحتفاظ به من حياته الخاصة.

إن ما يجمع هذه الشخصيات ليس تعرّضها جميعًا للاختراق الرقمي، بل هشاشة هوياتها أمام قوى مختلفة؛ فالهوية التي تبدو ملكًا لصاحبها قد تصبح رهينة سلطة اجتماعية أو مؤسسية أو تقنية، وقد يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن حياته التي يعرفها، في مواجهة حياة أخرى تُفرض عليه أو تُكشف أمام الآخرين.

في ظل التقدم التكنولوجي نجد أنفسنا، نرجع إلى عالم بناء الشخصية بأبعادها الداخلية من جديد، وكأن الكائن الورقي الذي أمكن للمقاربات النقدية أن تقرأه بوصفه وظيفة أو علامة داخل النص، صار يسعى إلى استدراك ما فاته، بحثًا عن ذاته أو شخصيته.

إنها عودة لا تنفي ما أنجزته المقاربات النقدية السابقة، بقدر ما تفتح أسئلة جديدة حول بناء علاقة الشخصية باسمها ونوعها وحياتها وروحها، وحول ما إذا كان امتلاك الهوية كافيًا للاحتفاظ بها في عالم أصبحت فيه الحياة الخاصة قابلة للتحويل إلى بيانات، وأصبح محو تلك البيانات أو استبدالها تهديدًا لوجود الإنسان نفسه.