حديث الشباب

03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026

أتعمد أن أبدأ نقاشاتي عند لقائي بالشباب بالحديث عن أحوال الطقس، بوصفه مدخلا مناسبا للحوار، ثم أنتقل معهم إلى أحوال الحياة؛ من السياسة والاقتصاد إلى التقنية والحروب، وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وضعف الأجور وغموض مستقبل الوظائف.

ومن بين ما يتكرر في هذه الأحاديث حلم امتلاك المنزل، أو «بيت الأحلام» كما تصفه الأدبيات الاقتصادية والتسويقية.

وفي أحد هذه النقاشات، فاجأني شاب حين قال إنه يفضل إنفاق راتبه على متعه الشخصية البسيطة، كشراء مستلزمات إلكترونية أو السفر أو تناول الطعام، بدلا من ادخاره سنوات طويلة لبناء منزل أو شراء أرض يرتفع ثمنها كل يوم.

فمن وجهة نظره، لن يستطيع براتبه البسيط وادخاره الأبسط اللحاق بصاروخ أسعار العقارات. وقد اختار أن ينفق ما لديه على أشياء يستطيع الحصول عليها اليوم، بدلا من مطاردة حلم لا يرى له طريقا واضحا.

وقد لا يعبر رد هذا الشاب عن واقع الشباب جميعهم، وإنما عن حالات قد تكون قليلة أو آخذة في الازدياد.

فالأرقام لا تشير إلى وجود مشكلة إسكانية عامة؛ إذ أعلنت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني أن 87.7 في المائة من الأسر العمانية تمتلك مسكنها الخاص، وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بمتوسط دول العالم الأخرى، كما تشير بيانات عام 2023 إلى أن النساء يشكلن نحو 40 في المائة ممن يمتلكون قطعة أرض أو أكثر، وإن كانت حصتهن لا تتجاوز 10 في المائة من مالكي الوحدات السكنية.

هذه الأرقام لا تحمل مؤشرات سلبية، لكنها تصف ما تحقق للأسر القائمة أكثر مما تكشف صعوبة الطريق أمام الأسر الجديدة. فالواقع الذي يعيشه الشباب يشير، بحسب أحاديثهم، إلى بداية تشكل حالة محلية تتشابه في بعض تفاصيلها مع أزمة السكن العالمية؛ من ارتفاع أسعار العقارات وفوائد القروض السكنية إلى طول آجال سدادها.

وربما لم تظهر هذه الحالة بالوضوح نفسه أمام الأجيال السابقة بسبب ترابط الأسرة، وقلة المتطلبات، ووفرة الأراضي، والدعم الحكومي لبرامج الإسكان الاجتماعي وتخفيض فوائد القروض.

غير أن تغير نمط الحياة، ومحدودية الفرص الوظيفية، وصعوبة الحصول على الأراضي خصوصا في المدن الكبرى، وارتفاع تكلفة الاقتراض، جعلت ذلك الشاب يعتقد أنه لن يستطيع من دخله المحدود تجميع مبلغ يكفي لشراء أرض أو مسكن.

وما قاله ليس بعيدا عما يحدث في مجتمعات أخرى؛ فقد ظهر مصطلح «إنفاق اليأس» لوصف سلوك بعض الشباب الذين ينفقون أموالهم على متع صغيرة وآنية بعدما فقدوا الثقة في قدرتهم على بلوغ الأهداف الكبرى مهما ادخروا.

وقد عرضت صحيفة «الجارديان» البريطانية نماذج لشباب وجدوا أن التخلي عن القهوة والرحلات والمشتريات البسيطة لن يقربهم كثيرا من شراء وامتلاك منزل ترتفع قيمته بوتيرة أسرع من نمو دخولهم ومدخراتهم.

وقد لا تبدو هذه المسألة في وضعنا المحلي مؤرقة تستدعي القلق منها، فهي من المشكلات المزمنة التي يشترك فيها شباب العالم وتتكرر بصور مختلفة مع كل جيل.

غير أن تكرار المشكلة لا يعني التسليم بها، خصوصا حين تتحول صعوبة امتلاك المسكن من مرحلة مؤقتة في بداية الحياة إلى واقع قد يرافق الإنسان سنوات طويلة.

وهنا يمكن لبعض الحلول الاقتصادية والاجتماعية، سواء المتعلقة بالفرد أو الأسرة أو الدولة، أن تخفف من آثار المشكلة، وإن لم تستطع إنهاءها.

ومن المجالات التي يمكن الاستفادة منها ما يعرف بـ«الاقتصاد السلوكي»، وهو فرع من الاقتصاد يدرس الطريقة التي يتخذ بها الإنسان قراراته المالية تحت تأثير العادات والعواطف والظروف المحيطة، وليس بناء على الحسابات العقلانية وحدها.

فالإنسان يعرف غالبا أهمية الادخار، لكنه يؤجله أمام إغراء الإنفاق الفوري.

ولذلك تقوم بعض برامجه على تحويل جزء من الراتب تلقائيا إلى حساب ادخاري، وربط الادخار بهدف محدد، وتقسيم الأهداف الكبيرة إلى مراحل صغيرة يمكن الوصول إليها. ويمكن للأسرة أن تعزز ذلك بالنصح ونقل الخبرة، ولكن من دون مقارنة الشباب بجيل عاش في ظروف اقتصادية مختلفة.

ويأتي بعد ذلك دور البيت والمدرسة والجامعة في تدريس مبادئ الاقتصاد الشخصي والإدارة المالية، لا بوصفها موضوعات متخصصة لطلبة الاقتصاد فقط، وإنما مهارات يحتاج إليها كل شاب قبل أن يتسلم راتبه الأول، في حين أن لمؤسسات الدولة دورا كبيرا يجب أن تقوم به في التوعية وتبني برامج مستمرة للتثقيف المالي بطريقة جذابة تلامس جيل الشباب.

الحديث مع الشباب وتلمس مشاكلهم وهمومهم واهتماماتهم لم يعد عملا اجتماعيا عابرا، بل ضرورة وطنية مؤسسية، فهم عماد الوطن والقوة التي سيقوم عليها مستقبله.

وما كشفه حديث ذلك الشاب عن السكن والادخار ليس سوى نافذة على تحولات أوسع تجري في حياة جيل كامل، وتستحق أن نصغي إليها قبل أن تتحول مشاعر العجز والإحباط إلى قناعة دائمة.

إن توفير المسكن والعمل الكريم، وتعليم الإدارة المالية، وتقريب الأهداف الكبرى من قدرات الشباب، مسؤولية تتشاركها الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة، وهي مسؤولية لا تحتمل التأجيل؛ فالأوطان لا تبني مستقبلها للشباب من بعيد، بل تبنيه معهم، حين تسمعهم وتفهم واقعهم وتمنح أحلامهم طريقا ممكنا للتحقق.