حديث الشباب
ومن بين ما يتكرر في هذه الأحاديث حلم امتلاك المنزل، أو «بيت الأحلام» كما تصفه الأدبيات الاقتصادية والتسويقية.
فمن وجهة نظره، لن يستطيع براتبه البسيط وادخاره الأبسط اللحاق بصاروخ أسعار العقارات. وقد اختار أن ينفق ما لديه على أشياء يستطيع الحصول عليها اليوم، بدلا من مطاردة حلم لا يرى له طريقا واضحا.
فالأرقام لا تشير إلى وجود مشكلة إسكانية عامة؛ إذ أعلنت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني أن 87.7 في المائة من الأسر العمانية تمتلك مسكنها الخاص، وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بمتوسط دول العالم الأخرى، كما تشير بيانات عام 2023 إلى أن النساء يشكلن نحو 40 في المائة ممن يمتلكون قطعة أرض أو أكثر، وإن كانت حصتهن لا تتجاوز 10 في المائة من مالكي الوحدات السكنية.
وربما لم تظهر هذه الحالة بالوضوح نفسه أمام الأجيال السابقة بسبب ترابط الأسرة، وقلة المتطلبات، ووفرة الأراضي، والدعم الحكومي لبرامج الإسكان الاجتماعي وتخفيض فوائد القروض.
وما قاله ليس بعيدا عما يحدث في مجتمعات أخرى؛ فقد ظهر مصطلح «إنفاق اليأس» لوصف سلوك بعض الشباب الذين ينفقون أموالهم على متع صغيرة وآنية بعدما فقدوا الثقة في قدرتهم على بلوغ الأهداف الكبرى مهما ادخروا.
وقد عرضت صحيفة «الجارديان» البريطانية نماذج لشباب وجدوا أن التخلي عن القهوة والرحلات والمشتريات البسيطة لن يقربهم كثيرا من شراء وامتلاك منزل ترتفع قيمته بوتيرة أسرع من نمو دخولهم ومدخراتهم.
غير أن تكرار المشكلة لا يعني التسليم بها، خصوصا حين تتحول صعوبة امتلاك المسكن من مرحلة مؤقتة في بداية الحياة إلى واقع قد يرافق الإنسان سنوات طويلة.
وهنا يمكن لبعض الحلول الاقتصادية والاجتماعية، سواء المتعلقة بالفرد أو الأسرة أو الدولة، أن تخفف من آثار المشكلة، وإن لم تستطع إنهاءها.
فالإنسان يعرف غالبا أهمية الادخار، لكنه يؤجله أمام إغراء الإنفاق الفوري.
ولذلك تقوم بعض برامجه على تحويل جزء من الراتب تلقائيا إلى حساب ادخاري، وربط الادخار بهدف محدد، وتقسيم الأهداف الكبيرة إلى مراحل صغيرة يمكن الوصول إليها. ويمكن للأسرة أن تعزز ذلك بالنصح ونقل الخبرة، ولكن من دون مقارنة الشباب بجيل عاش في ظروف اقتصادية مختلفة.
وما كشفه حديث ذلك الشاب عن السكن والادخار ليس سوى نافذة على تحولات أوسع تجري في حياة جيل كامل، وتستحق أن نصغي إليها قبل أن تتحول مشاعر العجز والإحباط إلى قناعة دائمة.
إن توفير المسكن والعمل الكريم، وتعليم الإدارة المالية، وتقريب الأهداف الكبرى من قدرات الشباب، مسؤولية تتشاركها الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة، وهي مسؤولية لا تحتمل التأجيل؛ فالأوطان لا تبني مستقبلها للشباب من بعيد، بل تبنيه معهم، حين تسمعهم وتفهم واقعهم وتمنح أحلامهم طريقا ممكنا للتحقق.
