التحصينات الساحلية.. مورد اقتصادي وثقافي مستدام
03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026
تتميز سلطنة عُمان على مر الزمان بطول سواحلها الممتدة من مضيق هرمز وحتى الحدود الجنوبية مع الدول المجاورة، ويبلغ طول الساحل العُماني حاليًا 3165 كم، يتنوع في طبيعته الجغرافية بين الجبال والصحاري والمساحات الخضراء. إلا أن هذه السواحل تعرضت للغزو من جهة البحر خلال الحقب الزمنية الماضية، فشيّد الإنسان العُماني بفكره العبقري مباني هندسية على مر الساحل العُماني، وتنوعت بين القلاع والحصون والأبراج.
وفي عهد النهضة المباركة، تحولت هذه المباني إلى شواهد تاريخية تحكي قصص السلف وبطولاتهم، ويجري حاليًا استغلال هذه التحصينات في المشاريع السياحية واستقطاب الزوار.
يقول الدكتور علي بن سعيد الريامي، أستاذ مشارك بقسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس، إن التحصينات الساحلية في سلطنة عُمان لم تكن مجرد مبانٍ عسكرية منفصلة عن محيطها، بل كانت جزءًا من منظومة متكاملة ارتبطت بالموقع الجغرافي لعُمان، وحركة الملاحة والتجارة، وحماية المدن والموانئ والتجمعات السكانية. فقد جعل امتداد الساحل العُماني وانفتاحه على طرق التجارة البحرية البحر مصدرًا للرخاء والتواصل الحضاري، وفي الوقت نفسه منفذًا محتملًا للتهديدات الخارجية. ومن هنا تطورت القلاع والحصون والأبراج والأسوار ومواقع المراقبة لتلائم طبيعة المكان ووظيفته الدفاعية، ولا سيما في المدن الساحلية التي مثّلت ثغورًا بحرية مهمة مثل مسقط وصحار وصور وقريات وخصب وبركاء ومرباط وصلالة.
دور الحصون الساحلية
في الحماية قديمًا
ويشير الريامي إلى أن بناء الحصون والقلاع قرب الساحل جاء استجابة مباشرة لأهمية البحر في التاريخ العُماني؛ فالساحل لم يكن مجرد حد جغرافي، وإنما بوابة للاتصال بالعالم ومجالًا لحركة السفن والتجارة والتنقل البشري. ولهذا شكّلت المناطق الساحلية خط الدفاع الأول، وقلّ أن خلت مدينة ساحلية مهمة من قلعة أو حصن. ومن أبرز الأمثلة قلعتا الجلالي والميراني في مسقط، وقلعة مطرح، وحصون بركاء والمصنعة والسويق، وقلعة صحار، وحصون خصب ودبا، ثم تحصينات قريات وصور ورأس الحد وطاقة وسدح ومرباط.
ويضيف الدكتور علي أنه اختيرت مواقع هذه التحصينات بعناية فوق الصخور والمرتفعات المطلة على البحر أو قرب المرافئ ومداخل الخلجان، بما يتيح مراقبة حركة السفن ورصد أي اقتراب معادٍ في وقت مبكر. ويظهر ذلك بوضوح في قلعة الجلالي المطلة على خليج مسقط، وفي الميراني التي ارتبطت مدافعها بتنظيم حركة الميناء والتحذير من السفن المخالفة. وهكذا لم تقتصر وظيفة الحصن الساحلي على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى حماية المرفأ وضبط الحركة البحرية وتأمين المجال الاقتصادي المحيط به. وكانت حماية الموانئ تعني في الوقت نفسه حماية الأسواق ومخازن البضائع والسفن وطرق الاتصال بين الساحل والداخل.
ماذا بقي من منظومة
الدفاع القديمة؟
ويتابع الريامي حديثه حول ما تبقى من منظومة الدفاع القديمة ويقول: لا يقتصر ما بقي من منظومة الدفاع القديمة على الحصون الكبرى، بل يشمل شبكة من الأبراج والأسوار والمدافع ونقاط المراقبة التي تكشف طبيعة النظام الدفاعي المتكامل. فقد أقيمت الأبراج فوق الصخور والتلال والمواضع المرتفعة لتوسيع مجال الرؤية، وأدت أدوارًا في الاستطلاع والإنذار المبكر، بينما أحاطت الأسوار بالمدن والحصون ونظمت حركة الدخول والخروج من خلال بوابات محصنة، لتشكل بذلك خطوطًا دفاعية إضافية.
أما المدافع فتمثل شاهدًا ماديًا مهمًا على تطور تقنيات الدفاع الساحلي مع انتشار البارود والأسلحة النارية؛ إذ تغير تصميم الحصون، واستُحدثت فتحات أوسع ومنصات مخصصة للمدفعية. كما تعكس بعض المدافع الباقية أثر الصراع والاتصال بالقوى الأوروبية، والتحول من المزاغل الملائمة للسهام إلى فتحات البنادق ومنصات المدافع، وهو ما يعكس قدرة العمارة الدفاعية العُمانية على التكيف مع تطور وسائل القتال.
علاقة الحصون بالصيد
والتجارة والحياة اليومية
ويرى الريامي أن الحصون الساحلية تتجاوز دلالاتها الساحلية من التاريخ العسكري إلى تاريخ الحياة اليومية؛ ففي المدينة الساحلية كان البحر فضاءً للرزق والتجارة والسفر، وكانت هذه التحصينات تشرف على هذا الفضاء وتحميه؛ فالسفن التجارية، ومراكب الصيد، وموانئ الإنزال، والأسواق الساحلية كانت بحاجة إلى قدر من الأمن والاستقرار حتى تستمر في أداء وظائفها، كما أن الحصون والقلاع لم تكن منشآت عسكرية فقط، بل ضمت غرفًا للحراسة والمعيشة، ومجالس لاستقبال الأهالي والضيوف، ومساجد، ومخازن للحبوب والتمور والسلاح والذخيرة، فضلًا عن مصادر المياه، وهو ما جعلها مراكز للإدارة والحكم واتخاذ القرار.
وفي ختام حديثه، أشار الريامي إلى أن التحصينات الساحلية كانت جزءًا من النسيج العمراني والاجتماعي للمدينة العُمانية، ومرآة لازدهار التجارة البحرية ونمو الموانئ واتصال عُمان بالعالم، وتُعد تراثًا ثقافيًا جمع بين الوظيفة الدفاعية والاقتصادية والاجتماعية، وهي اليوم تمثل جانبًا مهمًا من ذاكرة البحر والمجتمع العُماني.
استثمار سياحي ومورد اقتصادي
يقول الأكاديمي بجامعة السلطان قابوس، بدر بن سعيد الذهلي: تبرز أهمية الاستفادة من القلاع والحصون والمواقع التراثية في المحافظات الساحلية من واقع موقعها الجغرافي وقربها من التجمعات السكانية والمراكز الاقتصادية، فضلًا عن كونها تقع ضمن المسارات الرئيسية التي يسلكها الزوار القادمون إلى سلطنة عُمان، سواء عبر مطار مسقط الدولي أو عبر المنافذ البرية، ومنها محافظة شمال الباطنة التي تمثل أحد أهم المعابر البرية المرتبطة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث إن تطوير هذه المواقع وتحويلها إلى وجهات سياحية متكاملة يمكن أن يقدم للزائر تجربة ثقافية وتاريخية مميزة، لا تقتصر على زيارة قلعة أو حصن، وإنما تمتد إلى التعرف على الحياة المحلية وتفاصيل المكان وخصوصيته الاجتماعية والاقتصادية.
ويرى الذهلي أن القيمة السياحية الحقيقية للقلاع والحصون لا تكمن في المبنى التاريخي وحده، وإنما في البيئة المحيطة به وما تزخر به من عناصر يمكن أن تشكل تجربة سياحية متكاملة. فالحصن أو القلعة قد يكون قريبًا من سوق تقليدي، أو مرسى لصيد الأسماك، أو قرية عُمانية تضم منازل قديمة ومساجد ومزارع وأفلاجًا وحارات تاريخية.
وهذه العناصر مجتمعة يمكن أن تمنح السائح فرصة لاكتشاف المكان بصورة شاملة، والتعرف على تاريخه وثقافته ونمط الحياة فيه، دون الحاجة إلى الانتقال لمسافات طويلة بين مواقع جغرافية متعددة.
ويشير الذهلي إلى إمكانية تطوير مسارات سياحية تجمع بين السياحة الثقافية والتاريخية والبحرية والريفية والزراعية، بحيث تصبح القلاع والحصون نقطة انطلاق لاكتشاف المجتمعات المحلية وما تزخر به من مقومات طبيعية وتراثية واقتصادية.
كما تسهم التجارب في تمديد فترة إقامة الزائر وزيادة إنفاقه داخل المجتمع المحلي، من خلال تنوع الخدمات والأنشطة المقدمة له.
الوعي والمشاركة المجتمعية
ويؤكد الذهلي أن هذه المواقع تُعد بيئة مناسبة لنقل المعارف الثقافية والحرف والصناعات المحلية إلى الأجيال والسياح والزوار، وتحويل بعض هذه المهارات من موروث ثقافي إلى منتجات وتجارب سياحية ذات قيمة اقتصادية تعود بالنفع على المجتمع المحلي. ويمثل القطاع السياحي في الوقت ذاته مجالًا مهمًا لنمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إذ إن تطوير القلاع والحصون وتعزيز جاذبيتها السياحية من شأنه أن يخلق طلبًا على مجموعة واسعة من الخدمات والأنشطة المرتبطة بالسياحة، والتي تكون مواتية لأن تنشأ حول هذه المواقع مشاريع في مجالات الإيواء السياحي، والمطاعم والمقاهي، وتنظيم الرحلات والجولات، والأنشطة البحرية، وبيع المنتجات والحرف المحلية، وتنظيم الفعاليات الثقافية والترفيهية، وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن توفر مصادر دخل مباشرة وغير مباشرة للمواطنين.
ويرى الذهلي أن الوعي والمشاركة المجتمعية يُعدّان أحد أهم عوامل نجاح أي مشروع لتطوير السياحة التراثية. فنجاح هذه المواقع لا يتحقق فقط من خلال تأهيل المباني وترميمها، وإنما من خلال إشراك المجتمع المحلي في مختلف مراحل التطوير.
ويشمل ذلك تأهيل الشباب وتدريبهم على المهن السياحية، وتوفير التسهيلات المناسبة لهم لإنشاء المشاريع والاستفادة من الفرص الاقتصادية المرتبطة بالمواقع التراثية، إلى جانب تشجيع أصحاب الأعمال والحرفيين والمنتجين المحليين على تقديم منتجاتهم وخدماتهم ضمن التجربة السياحية.
ويرى الذهلي أن إشراك المجتمع في إدارة وتشغيل بعض الأنشطة من شأنه أن يعزز ارتباط المجتمع بالمزارات التراثية، ويجعلهم شركاء في الحفاظ عليها واستثمارها بصورة مستدامة.
يأتي ذلك من خلال الربط بين المواقع التراثية والأنشطة البحرية والزراعية والريفية والأسواق والقرى والخدمات السياحية، ويمكن أن تتحول القلاع والحصون الساحلية إلى مواقع نابضة بالحياة، توفر فرصًا وظيفية للشباب، وتفتح آفاقًا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتدعم دخل الأسر والمجتمعات المحلية، وفي الوقت ذاته تسهم في الحفاظ على الموروث العُماني للأجيال القادمة.
وفي ختام حديثه، يشير الذهلي إلى أنه من الجدير بالذكر هنا أن تفعيل دور القلاع والحصون والبيوت التاريخية لا يخدم الاقتصاد المحلي فحسب، وإنما يمكن أن يسهم في الحفاظ على هذه المواقع واستدامتها. فالمواقع التراثية تحتاج إلى موارد مستمرة للصيانة والتأهيل والتشغيل، كما أن إدراك المجتمع المحلي للقيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تحققها هذه المواقع يعزز اهتمامه بالمحافظة عليها وتطويرها.
نموذج ناجح لمشروع استثماري
وتسعى وزارة التراث والثقافة، وعدد من المؤسسات الخاصة، إلى تحويل هذه القلاع والحصون الساحلية من أماكن صامتة إلى أيقونة جمالية ومنظومة ثقافية واقتصادية مستدامة لتحقيق رؤية «عُمان 2040م». وتمثل نماذج قلعة مطرح والجلالي والميراني، والبيت الشرقي الذي يُدار من قبل شركة جبال الحجر، نماذج ناجحة في استثمار القلاع الساحلية.
وقال هاني بن عبدالعزيز الكندي، المدير التنفيذي لشركة جبال الحجر: الميراني ومطرح والبيت الشرقي أيقونات أثرية مهمة في تاريخ عُمان تعكس جانبًا مهمًا من صمود الشعب العُماني في وجه الاستعمار ومشاكل الانقسام؛ قلاع أصبحت رمزيتها كرسالة تصل لأغلب شرائح المجتمع بتذكيرهم بأن استرداد القلاع في عُمان من أيدي الاستعمار البرتغالي لم يكن أمرًا سهلًا، بل كان مليئًا بالتضحيات والشجاعة ودماء الشهداء. هذه الرمزيات المهمة في تاريخنا أصبحت تُروى للجميع وأصبحت متداولة وجزءًا من ثقافة ومعرفة الكثير من الزائرين من خلال عمل احترافي وجاد ومنظم من قبل شركة جبال الحجر وكادرها العُماني المخلص والمعنيين من مجلس إدارتها إلى أصغر موظف.
ويشير الكندي إلى عدد من التحديات التشغيلية التي يواجهها المستثمر في الحصون الساحلية، والتي تكمن في عدم قدرة هذه القلاع على استقطاب الكثير من الزائرين في فصل الصيف؛ حيث تعاني سلطنة عُمان من ارتفاع درجات الحرارة التي تمنع الزائرين من التجوال داخل أرجاء القلعة، وبالتالي تصبح التكلفة التشغيلية للمكان باهظة للغاية، وهو تحدٍ يواجه بلا أدنى شك الشركة المشغلة.
ويضيف: كذلك هناك صعوبة في تهيئة القلاع المعنية من حيث التوصيلات الكهربائية لمحاولة تكييف غرف القلعة وممراتها، وذلك لاستثمارها بالشكل الصحيح وعرض حكاية المكان بطرق بصرية مبتكرة، ورغم هذا التحدي فإننا نمضي قدمًا لإيجاد الحلول الممكنة.
وقال إن من ضمن التحديات احتكار الكثير من الأفواج السياحية من قبل شركات عملاقة في سلطنة عُمان، بحيث لا تضع هذه المواقع الأثرية ضمن خياراتها، والتي تُعتبر ضعيفة للغاية أمام هذه الآثار المهمة بمسقط، وبالتالي هناك سوء تنسيق بين الجهات المعنية والشركات السياحية الكبرى في موضوع توجيه الأفواج السياحية لزيارة هذه الآثار وإدراجها ضمن خطط الترويج الإعلامي والجولات المخصصة (وما زلنا نعمل جاهدين لتصويب الشركات).
وفي ختام حديثه، يؤكد هاني بن عبدالعزيز الكندي ضرورة تكاتف الشركات والمؤسسات والجهات المختصة لاستغلال هذه الأماكن التاريخية نظرًا لأهميتها، ويكفي أنها ساهمت في إحياء حكاية وتاريخ نضال شعب لم يستسلم للاستعمار والضعف، بل قام من جديد وتوحد بشجاعة وقاوم حتى اليوم الأخير من المعركة النهائية لطرد الاحتلال واسترداد استقلال عُمان من هذه القوى الاستعمارية البشعة، وبالتالي يسهم تعزيز هذا الشعور في تنمية الانتماء النفسي لهذه الأرض ومجتمعها.
