ضريح الإمام أحمد بن سعيد.. إرث حي شاهد على مهد الدولة البوسعيدية
03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026
تسلط مبادرة «إرث» الضوء على المعالم الحضارية والفكرية لمحافظة جنوب الباطنة، وتأتي هذه المبادرة بوصفها نافذة معرفية لأئمة وسلاطين وعلماء تركت إسهاماتهم بصمة جلية في كتابة التاريخ العماني العريق، وتحط المبادرة رحالها عند معلم يختزل في جنباته لحظة مفصلية غيّرت مجرى التاريخ الوطني؛ لتقف إجلالًا أمام ضريح الإمام أحمد بن سعيد، المؤسس الأول للدولة البوسعيدية وشاهد العصر على انطلاق مسيرة مجيدة لا تزال ممتدة حتى اليوم.
يقع الضريح في محلة «بيت القرن» بولاية الرستاق، وتعود نشأته إلى عام 1198هـ/1784م في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ليغدو أحد أبرز الشواهد التاريخية المرتبطة ببدايات تأسيس الدولة البوسعيدية، ولا يمكن قراءة قيمة الضريح بمعزل عن محيطه الجغرافي والحضاري؛ فالرستاق كانت شريانًا للحكم والعلم والإدارة في فترات تاريخية متعاقبة كدولة اليعاربة، وتزخر بكتلة تاريخية متكاملة تتجلى في قلاعها وحصونها وحاراتها العريقة كحارة قصرى، ويزيد من رمزية المكان قربه من قلعة الرستاق التاريخية، إحدى أقدم وأكبر القلاع في عُمان، ومجاورته لضريح الإمام سيف بن سلطان اليعربي المعروف بقيد الأرض، في دلالة بليغة تجسد عمق العلاقة بين الإمامين وما أثمرت عنه من مصاهرة وتلاحم وثقة متبادلة.
يمثل الضريح نموذجًا معماريًا إسلاميًا تقليديًا يعكس بساطة العمارة العمانية وعمق روحانيتها، فهو يتخذ شكلًا مربعًا تعلوه قبة زاهية، وهو نمط شائع في عمارة الأضرحة الإسلامية، وتتزين جدرانه بنقوش كتابية وزخارف تحمل مضامين دينية وتمجد سيرة الإمام وفضائله، وفي تفاصيله يبرز المدخل عن الواجهة الرئيسية بتصميم يحاكي المداخل التذكارية الشهيرة، مما يمنحه رمزية سياسية ودينية تؤكد أنه صُمم ليكون معلمًا تذكاريًا خالدًا لا مجرد موقع للدفن، كما شُيّد البناء بارتفاع منخفض وبمواد محلية صلبة كالصاروج والجص العماني، ليكتسب لونًا ترابيًا يتناغم كليًا مع البيئة المحيطة وسط أجواء تفيض بالسكون والوقار، يقود هذا المدخل المتواضع إلى فضاء داخلي هادئ، تتسلل إليه إضاءة طبيعية خافتة عبر فتحات جدارية صغيرة، ليستقر في قلبه القبر بتصميمه البسيط المغطى بكساء تقليدي؛ في مشهد يخلو من المبالغة والتكلف ويجسد الفلسفة المعمارية العمانية القائمة على التوازن الدقيق بين الهيبة والتواضع.
وفي شهادة حية تعكس المكانة الاجتماعية والتاريخية للموقع، يتحدث سليمان بن بشير الضوياني، أحد القاطنين بالقرب من الضريح، قائلًا: «إن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي يُعد مؤسس الدولة البوسعيدية ومن أبرز الشخصيات الفاعلة في تاريخ عُمان الحديث، إذ تولى الإمامة عام 1157هـ الموافق 1744م، واتخذ من ولاية الرستاق عاصمةً لحكمه ومركزًا لإدارة البلاد». ويضيف: «إن وفاة الإمام كانت صباح يوم الاثنين التاسع عشر من شهر محرم سنة 1198هـ الموافق 14 ديسمبر 1783م، حيث ووري جثمانه الثرى في منطقة بيت القرن بالقرب من قلعة الرستاق ليُشيّد ضريحه شاهدًا حيًا على تلك التضحيات، متجليةً في هذا البناء عبقريةُ العمارة التقليدية عبر استخدام الجص والصاروج والنقوش النباتية، إلى جانب الكتابات المنقوشة على الشواهد التي تعكس القيمة الفنية والتاريخية الجليلة للموقع الذي طالما كان مزارًا يقصده الناس استحضارًا لأهميته التاريخية واعترافًا بالإنجازات العظيمة التي قدمها الإمام في سبيل بناء عُمان واستقرارها». الجدير بالذكر أن ضريح الإمام أحمد بن سعيد محطة سياحية وثقافية رئيسة في محافظة جنوب الباطنة يقصدها السياح.
