من بين الركام والخيام.. مدرسة تل الزعتر بشمال غزة تعيد الأمل إلى الاطفال
بعد نحو ثلاث سنوات من الانقطاع عن التعليم المنتظم، أصبح وصول الطفل إلى مكان يتعلم فيه، ويلتقي معلميه وأصدقاءه، حدثًا يستحق الانتظار والاحتفاء.
وفي مدينة أنهكتها الحرب والنزوح والدمار، لم تعد المدرسة مجرد مكان للقراءة والكتابة، بل مساحة لاستعادة شيء من الحياة التي حُرم منها الأطفال طويلًا ومحاولة لاستعادة طفولة سرقتها الحرب، وتعويض سنوات من الفقد التعليمي، وترميم أحلام ظلت معلّقة بين النزوح والخوف والدمار.
في أقصى شمال القطاع، حيث تتداخل آثار الدمار مع مخاوف السكان من استمرار إطلاق النار، فتحت مدرسة تل الزعتر الحكومية نافذة نحو المستقبل. هناك، قادت الأستاذة وصال عزيز جهودًا لإعادة التعليم إلى الطلاب، متحديةً واقعًا لا تتوافر فيه أبسط مقومات البيئة المدرسية، متمسكةً بحق آلاف الأطفال في ألا تتحول سنوات الحرب إلى نهاية لأحلامهم التعليمية.
لم يكن الطريق إلى استئناف الدراسة مفروشًا بالإمكانات؛ فالمدرسة التي تحولت في وقت سابق إلى مكان لإيواء النازحين، باتت مطالبة بأداء مهام شاقة: توفير المأوى لمن فقدوا بيوتهم، وإعادة الحياة التعليمية إلى الطلاب الذين حُرموا من مدارسهم. ومن قلب هذا الواقع، أُنشئت خيام تعليمية داخل ساحة المدرسة، لتتحول المساحة التي احتضنت النازحين إلى مكان يستقبل الأطفال من جديد.
وبحسب المعلومات التي قدمتها الأستاذة وصال عزيز مديرة مدرسة تل الزعتر، تستهدف المدرسة أكثر من ألفي طالب وطالبة، من الصف الأول الأساسي حتى الثانوية العامة. وهو عدد يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق إدارة المدرسة ومعلميها، في منطقة تعاني نقص الإمكانات واتساع الفجوة التعليمية بعد سنوات من الانقطاع.
لم يكن توفير الخيام وحده كافيًا؛ فعودة التعليم تحتاج إلى معلمين وكتب وأدوات مدرسية، وإلى جهود متواصلة لإقناع الأسر بأن إرسال أبنائها إلى التعلم ما زال ممكنًا، رغم المخاطر والظروف المعيشية القاسية. لذلك، واصلت عزيز التواصل مع مديرية التربية والتعليم في شمال غزة، والعمل على توفير المعلمين والحد الأدنى من متطلبات استمرار الدراسة.
طالبات مصابات.. لكن أحلامهن لم تنكسر
تختصر قصة الطالبات مرام مقاط، وفرح الكحلوت، ورغد غبن، جانبًا مؤلمًا من هذه العودة. فقد أُصبن خلال توجههن إلى المدرسة، وفق شهادة الأستاذة وصال عزيز، في حادثة تكشف أن الطريق إلى التعليم في شمال غزة لا يزال محفوفًا بالمخاطر.
وتقول عزيز، في رسالة تعبر عن مشاعر الفخر والوجع معًا، إن إصابات الطالبات لم تكسر إرادتهن، وإن ما مررن به من صعاب لم يطفئ شعلة العلم والأمل في قلوبهن.
وتضيف أن رؤية صورهن تثير مشاعر متناقضة؛ فهناك وجع لأن الوصول إلى المدرسة لم يعد آمنًا كما ينبغي أن يكون، وفخر بطالبات يتمسكن بحقهن في التعلم رغم الألم والخوف وقسوة الظروف.
أرقام تكشف حجم الفجوة التعليمية ولا يمكن فهم أهمية ما يجري في بيت لاهيا بمعزل عن حجم الأزمة التعليمية في قطاع غزة كله. فبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 25 سبتمبر 2026، بدأ العام الدراسي الجديد في القطاع يوم 19 سبتمبر الماضي، وسط قيود شديدة على عمل المؤسسات التعليمية.
وأوضح التقرير أن نحو 495 ألف طفل من مرحلة ما قبل المدرسة والسن المدرسية التحقوا بمساحات تعليمية تدعمها الأمم المتحدة وشركاؤها، فيما يشارك نحو 70 ألف طفل آخرين في مساحات تعليمية مجتمعية وخاصة، بينما لا يزال قرابة 200 ألف طفل خارج أي شكل من أشكال التعلم المنظم.
وتشير هذه الأرقام إلى اتساع الجهود المبذولة لإعادة الأطفال إلى التعلم، لكنها تكشف أيضًا أن العودة لم تشمل الجميع، وأن مئات الآلاف ما زالوا بحاجة إلى فرص تعليمية منتظمة ومستدامة.
وفي تقرير نشرته اليونيسف في 29 سبتمبر 2026، قُدّر عدد الأطفال في سن الدراسة في غزة بنحو 700 ألف طفل، فيما أُشير إلى أن قرابة 98% من المباني المدرسية تعرضت للضرر أو الدمار. كما أعلنت المنظمة أنها تدعم أكثر من 335 ألف طفل في 203 مدارس أو مراكز تعليمية.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الأطفال عادوا إلى التعليم المنتظم، أو أن الفاقد التعليمي قد عولج؛ بل تؤكد أن مسار التعافي لا يزال طويلًا، وأن توفير أماكن التعلم ينبغي أن يترافق مع تأهيل المعلمين، وتوفير الكتب والقرطاسية، وتعويض المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال.
من خيام اليوم إلى مدارس الغد
تقدم مدرسة تل الزعتر مثالًا على ما يمكن للإرادة المحلية أن تحققه عندما تلتقي بجهود المعلمين والأسر ومديرية التعليم. غير أن استمرار هذه التجربة وتوسيعها يحتاجان إلى دعم فعلي يضمن توفير بيئة أكثر أمانًا، وخيام أو غرف تعليمية مناسبة، وأثاث ومواد دراسية، وأجور للمعلمين، وبرامج تعالج الفاقد التعليمي المتراكم خلال سنوات الحرب.
كما يحتاج الأطفال الذين عاشوا الخوف والنزوح وفقدان الأقارب والمنازل إلى مساحات آمنة تتيح لهم التعبير عن مشاعرهم، وإلى أنشطة تعيد إليهم الثقة بأنفسهم وبالعالم المحيط بهم. فالتعليم لا يقتصر على استعادة الدروس التي فاتتهم؛ إنه أيضًا استعادة الشعور بالانتماء، وبناء القدرة على التخيل والتخطيط للمستقبل.
وبين الخيام التي نُصبت في ساحة مدرسة تل الزعتر، والدفاتر التي عادت إلى أيدي الطلاب، تتشكل حكاية صغيرة في مكان أنهكته الحكايات المؤلمة. حكاية معلمة أصرت على أن تبقى المدرسة مكانًا للعلم، وأطفال يحاولون استعادة حقهم في التعلم، وأسر ترى في عودة أبنائها خطوة نحو مستقبل أكثر استقرارًا.
قد لا تمحو العودة إلى الدراسة سنوات الانقطاع، ولا تعوض الأطفال عما فقدوه، لكنها تمنحهم فرصة للبدء من جديد. وفي غزة حيث تبدو الطريق إلى الحياة طويلة وشاقة، يصبح كل درس يُشرح، وكل حرف يكتبه طفل، وكل طالبة تعود إلى مقعدها، فعلًا من أفعال التمسك بالمستقبل.
فمن بين الركام والخيام، لا تحاول مدرسة تل الزعتر أن تعيد الدروس وحدها؛ إنها تحاول أن تعيد إلى أطفال بيت لاهيا حقهم في الحلم.
