الملتقى شبه الإقليمي يواصل فعالياته مستعرضا تجارب عربية في صون التراث الثقافي غير المادي
تتواصل لليوم الثاني على التوالي فعاليات الملتقى شبه الإقليمي "التراث الثقافي غير المادي والفن: الواقع والتطلعات" الذي انطلق اليوم بفندق معاني تحت رعاية سعادة السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي وكيل وزارة الثقافة والرياضة والشباب للثقافة، بمشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين والمختصين في مجالات التراث الثقافي والفنون لمناقشة واقع التراث الثقافي غير المادي في المنطقة العربية واستعراض التجارب والمبادرات الرامية إلى صونه وتوثيقه وبحث آفاق توظيف الفنون في المحافظة عليه ونقله إلى الأجيال القادمة، وينظم الملتقى وزارتا الثقافة والرياضة والشباب، والتعليم ممثلة باللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع الجامعة الألمانية للتكنولوجيا في عُمان ممثلة في كرسي اليونسكو لإدارة التراث العالمي والسياحة المستدامة في المنطقة العربية.
حيث من المؤمل أن يشهد الملتقى اليوم إقامة حلقتي عمل تتناولان المقاربات الفنية الحديثة لصون التراث الثقافي غير المادي وتجسيد المرويات والأساطير العُمانية في الفنون المعاصرة، حيث يقدم الأستاذ الدكتور عماد بن صوله من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" حلقة العمل الأولى بعنوان "نحو مقاربات فنية مبتكرة لصون التراث الثقافي غير المادي في الوطن العربي"، فيما يقدم حاتم بن حميد بن محمد الشعيلي (معلم فنون تشكيلية) حلقة العمل الثانية بعنوان "من الرواية إلى المنحوتة: تجسيد الأساطير العُمانية في الفن المعاصر".
افتتاح الملتقى
وكان قد استُهل الملتقى بكلمة اللجنة المنظمة التي ألقاها الدكتور محمود بن عبدالله العبري أمين اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم فال فيها: إن من بين 849 عنصرا مسجلا في إطار اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي يوجد 90 عنصرا على قائمة الصون العاجل، يواجه العديد منها تحديات مرتبطة بشح الموارد ومحدودية التدابير الحكومية والمجتمعية، الأمر الذي يستدعي توظيف الفنون التشكيلية والموسيقية والنحت في توثيق هذه العناصر وتعزيز حضورها، مشيرا إلى أن مبادرة التوأمة الفنية بين محافظتي مسقط وشمال الباطنة التي أُطلقت قبل ستة أشهر تمثل نموذجا للشراكة بين المؤسسات التعليمية والفنانين في صون التراث، مع التطلع إلى توسيع نطاقها لتشمل مختلف محافظات سلطنة عُمان.
وفي سياق حديثه عن الحضور العُماني في جهود الصون الدولية أوضح أن 18 عنصرا عُمانيا منفردا ومشتركا أُدرجت في قوائم اليونسكو، إلى جانب استحداث جائزة اليونسكو - السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي خلال العام الجاري، بما يعكس اهتمام سلطنة عُمان بحماية موروثها الثقافي وتعزيز استدامته، داعيا إلى تسريع جهود التوثيق والحماية ونقل المعارف والممارسات إلى الأجيال القادمة قبل تعرضها للاندثار.
جائزة اليونسكو ودورها
وفي ورقتها بعنوان "دور جائزة اليونسكو - السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي في تعزيز مكانة سلطنة عُمان الحضارية" أوضحت مريم الخربوشي من وزارة الثقافة والرياضة والشباب إن الجائزة تتيح فرصة لتكريم المؤسسات والمنظمات والمراكز والمعاهد العلمية والثقافية والهيئات الحكومية وغير الحكومية التي تقدم إسهامات متميزة في صون التراث الثقافي غير المادي، كما تسهم في إبراز التجارب والمشروعات الرائدة وتشجيع المجتمعات على تطوير آليات حماية موروثها الثقافي، وتعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب، حيث تعتبر هذه المبادرة امتدادا لدور سلطنة عمان التاريخي في مد جسور التواصل بين الحضارات، وتفتح آفاقا أوسع لتحويل الاهتمام بالتراث الحي إلى عمل مؤسسي مستدام يقوم على البحث والتوثيق والتعليم ودعم المبدعين وحملة المعارف التقليدية.
الدان الجنائزي
وفي ورقتها حول "فن الدان الجنائزي في ولاية مرباط بمحافظة ظفار: قراءة إثنوموسيقولوجية وتصميم أرشيفي مصغر" تناولت أصيلة بنت يوسف المنجي من جامعة السلطان قابوس الوظائف الاجتماعية والرمزية لهذا الفن وخصائصه الصوتية والإيقاعية، إلى جانب التحديات التي تهدد استمراره وآليات توثيقه وحفظ ذاكرته الصوتية.
وقالت: يؤدي الدان الجنائزي وظائف اجتماعية تتجاوز التعبير عن الحزن إذ يعزز التضامن والتكافل من خلال إخراج أسرة المتوفى من عزلتها وإشراك الأقارب في تحمل عبء الفقد، كما يسهم في إنهاء الحزن المفرط ومنع استمرار مظاهر الحداد الطويلة، ويذكر الأحياء بالمصير المحتوم عبر نصوص قصيرة ومكثفة، فضلا عن ترسيخ الوقار والأعراف الاجتماعية من خلال ضوابط جسدية وسلوكية تنظم التعبير عن المشاعر.
وفي الوقت الذي أوضحت فيها الباحثة خصائص الدان الجنائزي وتطرقت إلى المراحل الزمانية والمكانية لأداء الفن أوضحت في حديثها عن تحديات استمراره حيث قالت: يواجه الدان الجنائزي خطر التلاشي نتيجة الاعتماد على النقل الشفهي وغياب التوثيق المنهجي، إلى جانب التحولات الاجتماعية والفكرية وتغير أنماط الحياة ورحيل رواد هذا الفن بما يحملونه من ألحان ونصوص متوارثة، الأمر الذي يستدعي الانتقال من التوارث الأسري والممارسة المجتمعية إلى التوثيق المنظم.
مشروع التوأمة
كما استعرضت الدكتورة عواطف بنت سعيد الغافري رئيسة فريق المشروع في ورقتها بعنوان "التوأمة الفنية بين محافظتي مسقط وشمال الباطنة للاستجابة الطارئة للتراث الحي في ظل الأزمات والكوارث" مشروعا يقوم على إقامة شراكة فنية وثقافية مستدامة بين المحافظتين لتوظيف الفنون البصرية في توثيق التراث الثقافي وتعزيز قدرته على الصمود أمام الأزمات والكوارث، من خلال تبادل المعرفة والتجارب وإشراك الفنانين والمعلمين والطلبة وحملة التراث والمؤسسات الثقافية في مبادرات مشتركة لحماية الموروث الثقافي.
وقالت: يسعى المشروع إلى تعزيز الهوية الثقافية وترسيخ الروابط بين المجتمعات المحلية في المحافظتين، مع الاهتمام بتوثيق التراث المادي الذي يشمل القلاع والحصون والأسواق والمباني التاريخية، والتراث غير المادي المتمثل في الحرف والفنون الأدائية والحكايات والعادات، عبر خمسة مسارات متكاملة تشمل التبادل الفني والتوثيق البصري والتعلم بين الأجيال والعرض والنشر وتعزيز الصمود المجتمعي، بما يسهم في حماية العناصر التراثية المعرضة للخطر والمحافظة على حضورها في الذاكرة الجماعية.
وحول أهمية المشروع في مواجهة الأزمات والكوارث بيّنت أن توثيق المعالم والممارسات التراثية المعرّضة للأعاصير والفيضانات يسهم في حماية الذاكرة الثقافية من الاندثار، فيما تساعد الفنون الجماعية على تعزيز الحوار والروابط الاجتماعية والتعافي المجتمعي، وتتيح الأعمال الفنية والأرشيفات البصرية نقل تجارب الخوف والأمل والصمود إلى الأجيال القادمة.
معرض مصاحب
وشهد برنامج حفل الافتتاح تقديم معزوفة لمجدلي التراث الثقافي غير المادي العالمي، إلى جانب إعلان نتائج الأعمال الفائزة في المسابقة الإقليمية "أثر في الجوار" التي نظمها كرسي اليونسكو لإدارة التراث العالمي والسياحة المستدامة في المنطقة العربية بالجامعة الألمانية للتكنولوجيا في عُمان، أعقب ذلك التكريم وجولة قام بها سعادة السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي راعي الحفل والحضور في المعرض المصاحب، الذي ضم لوحات فنية تشكيلية لطلبة مشاركين في مبادرة التوأمة الفنية بين المدارس المنتسبة لليونسكو بمحافظتي مسقط وشمال الباطنة، والهادفة إلى توظيف الفنون في صون التراث الحي وتعزيز تبادل الخبرات بين المعلمين والمشرفين ضمن مجتمعات تعلم مهنية، كما اشتمل المعرض على صور فوتوغرافية للأعمال الفائزة في مسابقة "أثر في الجوار".
صون التراث الثقافي
وتواصلت أعمال اليوم الأول بجلسة علمية حملت عنوان "دور الفن في صون التراث الثقافي غير المادي على الصعيد شبه الإقليمي" ترأسها الدكتور يونس بن جميل النعماني من اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، واشتملت على خمس أوراق علمية تناولت التجارب الإقليمية في توثيق التراث الثقافي غير المادي وتوظيف الممارسات الفنية في صونه، واستعراض نماذج من الموروث الشعبي في عدد من الدول العربية.
وبداية استعرضت جاوده منصور من مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن في ورقتها بعنوان "رؤية اليونسكو في استدامة صون التراث الحي في سياقاته المكانية" أهمية المحافظة على البيئات الاجتماعية والثقافية والعمرانية التي تحتضن الممارسات التراثية، ودور التخطيط الحضري في ضمان استمراريتها وانتقالها بين الأجيال.
وقالت: إن التراث الثقافي غير المادي يرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمعات التي تمارسه والأماكن التي تحتضنه، وإن التحولات العمرانية السريعة قد تهدد استمراريته إذا لم تراعِ احتياجاته، مشيرة إلى أن اتفاقية اليونسكو لعام 2003 تشجع على إدماج صون التراث الحي في سياسات التنمية المستدامة، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرارات والتوثيق ونقل المعارف إلى الأجيال الجديدة.
وتطرقت إلى اعتماد جائزة اليونسكو - السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي عام 2026 بمبادرة من حكومة سلطنة عُمان، موضحة أن الجائزة تُمنح كل عامين بقيمة 150 ألف دولار أمريكي لتكريم المؤسسات والجهات التي تقدم إسهامات مؤثرة في صون التراث الحي ونقله وتعزيزه، بما يعكس التزام سلطنة عُمان بدعم التعاون الثقافي الدولي.
التقارير الدورية
من جانبها قدمت بدرية بنت عبيد الحوسني من معهد الشارقة للتراث ورقة بعنوان "التقارير الدورية للتراث الثقافي غير المادي في المنطقة العربية: الواقع والتطلعات"، استعرضت فيها قراءة تحليلية للتقارير الدورية لصون التراث الثقافي غير المادي في دول الخليج واليمن، شملت سبع دول وفق سبعة مؤشرات مختارة من إطار اليونسكو لاتفاقية عام 2003، بهدف الوقوف على أنماط تنفيذ برامج الصون ومدى انعكاسها على استمرارية الممارسات التراثية وانتقالها بين الأجيال.
وتناولت الورقة سبعة مجالات رئيسية تشمل الأطر المؤسسية والتدريب وبناء القدرات والتربية والتعليم وحصر العناصر التراثية والسياسات والتدابير القانونية والإدارية ورفع مستوى الوعي ومشاركة المجتمع المدني، حيث أظهرت المقارنة أن الدول السبع أنشأت كيانات معنية بتنفيذ الاتفاقية، وأن خمس دول أوردت برامج لبناء القدرات، فيما تمتلك جميع الدول أنظمة لحصر التراث الثقافي غير المادي، مع تفاوت في آليات التحديث والمشاركة المجتمعية وقياس أثر المبادرات.
وقالت "الحوسني": إن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من رصد الأنشطة والإنجازات إلى قياس أثرها الفعلي، فوجود المؤسسات وتنظيم البرامج التدريبية وإعداد قوائم الحصر لا يكفي للحكم على نجاح جهود الصون، وإنما ينبغي النظر إلى مدى انتقال المعرفة واستمرار الممارسات التراثية ومشاركة حملة التراث في اتخاذ القرارات، مشيرة إلى أهمية تحويل التعليم من المعرفة النظرية إلى الممارسة المباشرة مع حملة التراث.
الذاكرة إلى الإبداع
وركزت الشيخة نجلاء بنت فيصل آل ثاني مديرة إدارة التراث والهوية بوزارة الثقافة في دولة قطر خلال ورقتها بعنوان "من الذاكرة إلى الإبداع: توظيف الفن في صون التراث الثقافي في دولة قطر" على أهمية توظيف الفنون في المحافظة على الموروث الثقافي من خلال الممارسة والإبداع المعاصر، وإشراك حملة التراث والمجتمعات المحلية في نقل المعارف والمهارات إلى الأجيال الجديدة.
وقالت: إن التراث يبقى حيا عندما يمارسه أصحابه ويتعلمه جيل جديد ويجد مساحة له في الحياة الثقافية المعاصرة، وهو ما تسعى إليه التجربة القطرية من خلال الانتقال من حفظ الذاكرة إلى ممارسة التراث وإعادة تقديمه بأشكال إبداعية، مع الاهتمام بدور الحرفيين والفنانين وأصحاب المعرفة في استدامة الفنون والمهن التقليدية.
وفي هذا السياق قدمت نماذج من المعارض والفعاليات التي تتيح للجمهور معايشة التراث بصورة مباشرة، ومنها معرض المحامل التقليدية الذي يعرض ممارسات مرتبطة بصناعة السفن وشباك الصيد، إلى جانب البرامج التعليمية الموجهة للأطفال والشباب في مركز نوماس وفعالية "الراعي" التي تضمنت حلقات تفاعلية في النسيج والسيراميك والحرف التقليدية، بما يتيح انتقال المهارات من أصحابها إلى الأجيال الجديدة.
أما حضور الموروث الثقافي في الفنون المعاصرة فتجلى في نماذج تستلهم عناصر البحر والصحراء والنخيل والسدو والعمارة والأغاني الشعبية، ومن بينها تجربة الفنان القطري يوسف أحمد الذي وظف البيئة والذاكرة المحلية في أعماله، فيما حضرت العرضة القطرية نموذجا للفنون الأدائية التي تجمع الشعر والإيقاع والحركة والأداء الجماعي وتعكس الهوية والذاكرة الاجتماعية.
وعلى صعيد الحضور الدولي للتراث القطري تناولت الورقة عناصر مسجلة لدى اليونسكو، منها الصقارة والنخلة والقهوة العربية والحناء والبشت والسدو، وربطت أهمية هذا التسجيل بتعزيز التوعية والتوثيق واستمرار الممارسة ونقل المهارات، وصولا إلى آفاق مستقبلية تقوم على توظيف المنصات الرقمية وتوسيع مشاركة حملة التراث وتشجيع الإبداع الفني المستلهم من الموروث الثقافي.
ذاكرة المجتمعات
وشكل التاريخ الشفهي وأهمية توثيقه وحفظ ذاكرة المجتمعات محور الورقة التي قدمها الدكتور حمد بن محمد بن جمعة بن صراي من دولة الإمارات العربية المتحدة بعنوان "التاريخ الشفهي: تجارب وتوثيق في اليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي"، حيث سلط الضوء على تنامي الاهتمام بهذا المجال خلال العقود الأخيرة واعتباره مصدرا تاريخيا يسهم في استعادة تجارب الأجيال السابقة ومعارفها، وما يتطلبه جمع المرويات من جهود علمية وميدانية تضمن حفظها وإتاحتها للباحثين.
وفي حديثه عن آليات التوثيق قال "بن صراي": إن جمع التاريخ الشفهي يتطلب عملا علميا منظما يقوم على اللقاءات والمقابلات الشخصية مع حملة الذاكرة الشعبية، وتسجيل رواياتهم وتدوينها وتصويرها، بما يتيح الانتقال من الرواية المنقولة شفهيا إلى مادة موثقة قابلة للدراسة والتحليل، مع مراعاة الأبعاد النفسية والإنسانية التي تكشفها المقابلات المباشرة ولا يستطيع النص المكتوب وحده نقلها كاملة.
ومن واقع التجارب الميدانية التي عرضها حضرت نماذج من أعمال التوثيق في دولة الإمارات العربية المتحدة شملت الحياة الاجتماعية والموروث الشعبي وسير الشخصيات الثقافية والمجتمعية، ومنها مشروعات تناولت مسجد رأس الخيمة الكبير وجوازات رأس الخيمة القديمة وحياة القرى والمدن وفنون الأداء الشعبي ومسرح رأس الخيمة الوطني، إلى جانب تجارب بحثية امتدت إلى الهند وزنجبار في إطار تتبع الذاكرة التاريخية وصلاتها بالمكان.
أما التحديات المرتبطة باستدامة هذه الجهود فتتمثل في الحاجة إلى مشروعات مؤسسية تحظى بالدعم والمتابعة، وتستفيد من أدوات الكتابة والتسجيل والتصوير والحاسوب وتقنيات الذكاء الاصطناعي في حفظ الروايات الشفهية وتنظيمها، بما يعزز دور المؤسسات المعنية في رعاية التاريخ الشفهي وصونه، ويدعم استمرار البحث الميداني الذي يجمع بين المعرفة التاريخية وفهم التجارب الإنسانية والنظرة الشعبية إلى الماضي.
البيئة البحرية
واختتم الدكتور سعيد بن عبدالله بن مبارك الفارسي من تعليمية شمال الباطنة عروض الأوراق العلمية بورقة بعنوان "أغاني العمل في البيئة البحرية بين الثابت والمتغير: نهمة التعويف أنموذجا" تناول فيها أحد ألوان الغناء البحري العُماني المرتبط بالصيد التقليدي ودوره في تنظيم العمل الجماعي وتخفيف مشقته وتعزيز التعاون بين البحارة، مستعرضا الخصائص الإيقاعية والأدائية لهذا الموروث والتحولات التي طرأت عليه مع تطور وسائل الصيد.
وأوضح أن "نهمة التعويف" ارتبطت بمرحلة من مراحل الصيد بالضغوة تتمثل في نقل أسماك السردين من الشباك القريبة من الشاطئ إلى مواقع التجفيف، حيث يؤدي الصيادون العمل بصورة جماعية بمصاحبة غناء يتميز بسرعة الإيقاع وانتظامه وبساطة النصوص الشعرية، مع تبادل الترديد بين مجموعتين من البحارة لتحقيق التنسيق والانسجام أثناء العمل، فيما تتنوع موضوعات النهمة بين التحفيز والتنافس والفخر البحري والمواسم الزراعية والغزل والمضامين الدينية والروحية.
وفي حديثه عن التحولات التي شهدها هذا الفن قال "الفارسي": إن نهمة التعويف ما زالت حاضرة في ذاكرة كبار السن وتظهر في بعض المهرجانات والاحتفالات، غير أن استخدام سيارات السحب بدلا من الجهد البشري وتراجع المشاركة الجماعية في أعمال الصيد أسهما في تقلص ممارستها وضعف انتقال معارفها إلى الأجيال الجديدة، إلى جانب تناقص أعداد المؤدين الذين يحتفظون بكلماتها وألحانها وأساليب أدائها.
ولحماية هذا الموروث من الاندثار دعت الورقة إلى توثيق النهمة ميدانيا بالصوت والصورة وتسجيل روايات البحارة وكبار السن، وإنشاء أرشيف رقمي متخصص بالموروث البحري العُماني، إلى جانب تنظيم لقاءات تجمع الأجيال المختلفة وإدماج النهمة في البرامج الثقافية والتعليمية مع التعريف بوظيفتها الأصلية في بيئة العمل البحري، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود صونها لضمان استمرارها ممارسة حية في الذاكرة الثقافية لساحل الباطنة.
واختتمت الجلسة بمناقشة تناولت محاور الأوراق العلمية والتجارب المطروحة وفتحت المجال لتبادل الرؤى بين المشاركين حول واقع التراث الثقافي غير المادي والتحديات المرتبطة بصونه، ودور الفنون والمبادرات البحثية في توثيق عناصره وتعزيز حضورها في المجتمع.
