المنوعات

«#حصـن - التراب» لأحـمد عــبد اللطيف.. التاريخ يوقظـه المنـام

28 يونيو 2017
28 يونيو 2017

طـــــارق إمــــــــام -

تنهض الرواية الأحدث لأحمد عبد اللطيف «حصن التراب»، على رؤيا: رؤيا أبٍ يحتضر.

تتصل الرؤيا المنامية مباشرةً بالمستقبل، كونها كشفاً لحجب، واستباقاً باطنياً لحدث أو أحداث لم تقع بعد.

إن ذلك يعني أننا أمام سردية «مرجأة» تلهث لتحقيق فرضيات لم توجد في الواقع لحظة انطلاق السرد، ليصبح الواقع «اللاحق» تأويلاً «مستقبلياً» للحدث الذي كتبه المنام، يجتهد لكي يتبعه ويحاكيه..

وليغدو المستقبل، للغرابة، هو الزمن الفعلي للنص السردي: زمن افتراضي لا وجود له.

لكن الرواية الصادرة مؤخراً عن دار العين بالقاهرة تفعل ذلك، في مفارقةٍ عنيفة، فيما موضوعها هو الماضي بالذات، إذ تقارب «حكاية عائلة موريسكية» (وهو عنوانها الفرعي)، نحو ثلاثة قرون من سيرة عائلة «دي مولينا» الموريسكية.

من هنا يمارس السارد أول خلخلة زمنية، حيث نصٌ ذاهب للمستقبل يقرأ نصاً قادماً من الماضي بعين معلَّقة بين الواقع والمنام: «كان سؤالي حول الموت من ناحية يتقاطع مع سؤالي عن المستقبل من ناحية أخرى».

يرى الأب موته الموشك، ويدرك أنه سيغرب بعد أربعين يوماً من «الآن».

هذه الأيام الأربعون «القادمة» تتقدم بـ(إبراهيم بن ميجيل دي مولينا) الابن والسارد، للأمام، للمستقبل، لكنها تصبح زمناً إطارياً يبذر زمناً استعادياً يجد «إبراهيم» نفسه مطالباً بنسخه وتوثيقه كي لا يذروه الضياع، «فالماضي، هذا الذي انتهى بلا عودة مأمولة، سيغدو الحاضر وربما المستقبل». إنه التناقض الظاهري نفسه الذي يسم صياغة العنوان (#حصن - التراب) على هيئة «هاشتاج» رغم ما يوحي به من ذهاب لمكان ماضوي، لنكتشف أن الرواية نهضت، فيما نهضت، لتدين هذا النوع من التناقضات بالذات.

يفتح الأب «سحارة» قديمة، حيث يُطلع الابن على أوراق أفراد الأسرة، مطالباً إياه بقراءتها، وترجمتها من الإسبانية للعربية، والبحث عن أوراق أخرى مخبأة في أمكنةٍ أخرى لم تصل إليها يد الأب وهناً أو تكاسلاً. يجد السارد نفسه مطالباً «بانتقال»، بالمعنيين الواقعي والمجازي، إلى «كوينكا» الإسبانية (أو كونكة حسب نطقها العربي) مسقط رأس العائلة، و(حصن التراب) مسقط رأس الأم الغائبة التي لا يعرف السارد شيئاً عنها منذ كان طفلاً لم يبلغ الرابعة.

في الخامسة والعشرين، يجد «إبراهيم دي مولينا» نفسه أمام مهمة معقدة، صار فيها المسؤول عن حفظ تاريخ العائلة الذي لا يعرف عنه شيئاً: ليس فقط بالعثور عليه وإعادة تدوينه، لكن بالإبقاء عليه سراً مثلما فعل آباؤه وأجداده من قبله.

إنه أول أسئلة الرواية: لمن يكتب المطرودون من فردوس تاريخ السلطة؟ ولماذا هم مضطرون للتوثيق إن كانوا يكتبون للا أحد؟ حكاية إطارية/‏‏ حكايات مولّدة

بضمير المتكلم، ينهض السارد الإطاري، الذي لن يلبث أن يفسح الحكايات المولّدة ليحكيها (أو بالأحرى يدوّنها) أصحابها، بدءاً بـ«إبراهيم بن ميجيل دي مولينا» الذي يبدو كما لو كان قريناً للسارد (مجهول الاسم ومضبب الزمن). إن النص ينفتح على صوت السارد الإطاري وهو يقصص رؤيا أبيه نيابةً عن الرائي نفسه: «رأى أبي أن أوراقاً تتساقط من أغصان شجرة». إنها خصيصة أولى تحدد للنهاية ماهية ذلك السارد كـ(نائب) عن الآخرين.

يختصر الفرد الجماعة، وكأنه، في ذاته، «ذاكرة». لكن ذاكرة السارد التي تستعير لنفسها ذكريات أشخاصٍ آخرين، لتغدو بمثابة ذاكرة «جمعية» يحملها فرد، ستخون الوصية مبكراً، فهي لن تحفظ الآخرين بل، بالأحرى، ستتغذى عليهم: «كنت أستعيد الماضي عبر مخطوطات تسوّد ذاكرتي البيضاء». ينهض إبراهيم كذاكرةٍ في مواجهة التاريخ: «فللتاريخ أهله وكتبه وكتبته، وللذاكرة أهلها وحكاياتها».

يعيش «السارد مأزق المضطلع بجميع الأدوار التي لا يعرف كيف يؤديها: إعادة قراءة «ومن ثم ترجمة» تاريخ الأسرة الممثل في أوراق أفرادها، الانتظار لأربعين يوم حتى يموت الأب، السفر لكوينكا بلدة الأجداد» و(حصن التراب) مدينة الأم الغائبة وبينهما «مدريد»: التمثيل المكاني للسلطة بكافة أطيافها وموطن الجلادين ومحاكم التفتيش والكاثوليكيين «الأنقياء» وليس «المسيحيين الجدد» كما كان يُطلق على الموريسكيين. لكن إبراهيم يشيّد أيضاً سؤاله الملغوم لحظة اطِّلاعه على المهمة الموكلة إليه: «هل أنا الغازي أم المغزو؟». تشكك لا يليق بصوت يختصر الجماعة أو يتمثل القبيلة: تشكك فرد منفلت من المعرفة الجاهزة واليقين الموروث. من هنا سيمكن استيعاب فكرة أن يقيم «إبراهيم» صلحاً مع مدريد بالذات عندما تطأها قدماه لأول مرة، رغم أنها محض «محطة» في رحلته: «مدريد تشبهني.

مدريد أكثر اتساقاً مع اضطرابي وحيرتي.

الإيقاع السريع، مقارنةً بإيقاع مدينتي الميت، يتناسب مع التوتر الذي يتزايد بداخلي بمرور الساعات، كعجلة لا تتوقف، كخبب جواد يضل الطريق.

مدريد لا تعانقك، لكنها ترسل إليك قبلة في الهواء.

وفي الهواء، مع القُبلة المعلقة، تظل أنت أيضاً معلقاً.

معلقاً بها.

تستطيع المدينة، على عكس مدن أخرى، أن تتلبّس روحك». بالمقابل، يقر: «أنا وكوينكا طرفان متناقضان».

بترجمة أوراق الأسرة، يفجر السارد أحد أخطر أسئلة «حصن التراب» في ظني: كيف تكتب قصتك كضحية بلغة جلاديك؟ وكيف تشترك الضحية والجلاد في شيء واحد هو اللغة نفسها، كسلطة متعالية تجبر طرفي النقيض على اللوذ بها لحفظ الوقائع؟

تتحقق البنية الروائية لـ(حصن التراب) كرواية ميتا سردية تمثل فعل قراءة وكتابة معاً عبر مراجعة غير منتهية لمجمل النصوص التي تعيد الرواية نسخها داخل بنيتها النهائية.

ويغدو فعل التأريخ فعل مساءلة لمجمل «النصوص» التي تجعل من قصة الموريسكيين حكاية مفتوحة وليس قوساً أُغلِق للأبد.

ذوات في مرايا متقابلة

«يدي المرتعشة كانت مثل يد نحات مبتدئ عليه أن يخلق من الحجر تمثالاً.

والكلمات كانت حجراً، وأنا لا أعرف أي تمثال مشوّه يمكن أن أصنعه». هكذا يصف «إبراهيم دي مولينا» عملية ترجمته وإعادة كتابته لأوراق الأسلاف.

الكلمات أحجار بحاجة إلى منحها قواماً وشكلاً.

فيما تتحول الكلمات من أحجار إلى «بشر» على يدي إبراهيم، تتحوّل أسرة «مانويل دي مولينا»، أحد أجداد إبراهيم، إلى حجارة.

إن الأم هي من يتنبأ بهذا المصير: رؤيا أخرى تتحقق، (في رواية تلعب فيها المنامات دوراً جوهرياً كرؤى) لكن بتحول الثلاثة لأحجار، يُعاد تشكيل مانويل ومن بعده أبيه كتمثالين، أي: يكتسبان شكلاً، وباكتساب الشكل يكتسبان الدلالة.

أما الأم فتبقى كما هي: حجرا منسيا في جبل أو ربوة. وجود غفل منكر لا ملامح له ولا قوام.

الحجر شيء أما التمثال فعلامة.

الحجر وجود غفل لكن التمثال صياغة ثقافية.

يكتب مانويل حكايته وقد تحول إلى حجر، إنها مفارقة تبدو أكثر فانتازية من تحوله لحجر في حد ذاته. فإذا قبلنا أن تتحول شخصية لروائية لجماد، كيف نقبل تصعيداً يجعل ذلك الجماد قادراً على التدوين؟ وبأي يد فعل ذلك؟ بيد التمثال المتيبسة أم بيد الحجر التي لا وجود لها؟ هل كتب مانويل حكايته، أم أنها بمرورها عبر يد إبراهيم اتخذت «القالب» الذي أرادته لها يد «النحات»؟

يد إبراهيم أيضاً، تنهض أمام الذراع المبتورة لعائشة، التي تفقد ذراعاً كل يوم وتستردها في اليوم التالي: «في الصباح يسقط مني ذراع.

وفي الظهيرة، أستعير ذراعاً خشبية.

وفي المساء، أعيد الذراع الخشبية.

وفي الصباح، أشعر أن الذراع التي تسقط مني الآن، ذراعا طبيعية». تشترك عائشة مع «إبراهيم دي مولينا» في تصور مجازي واحد للعالم: فبينما يرى العالم أرضاً طينية يسير فيها، ترى هي العالم رمالاً متحركة تغوص فيها.

إبراهيم وعائشة مشدودان للأرض، وآخذان في السقوط». رأيتُ في المنام أني أسير على أرض طينية.

كلما حاولت النجاة، كانت قدماي تغوصان في الأرض السوداء.

ظلتا تغوصان لأكتشف، وقد وصل الطين لرقبتي، أن جسدي الضعيف صار في فضاء بلا أرض (من أوراق إبراهيم دي مولينا)، صارت الأرض، كل الأرض، مثل رمال متحركة.

صارت الناس، كل الناس، تتصارع للسير فوقها.

صارت الناس تتصارع من أجل السقوط فيها، وأنا، وحيدة كنت، أقف في شباك (من أوراق عائشة دي مولينا). فردان معلقان في الفضاء نفسه، كلاهما إلى جوار شباكه.

تكاد تكون عائشة دي مولينا هي «النائبة» عن سيل نساء مغدورين بنفس الطريقة التي صار بها إبراهيم نائباً عن أسلافه. إن لغة عائشة السردية أيضاً هي الأقرب للغة إبراهيم أسلوبياً، قائمة على التكرارات.

في مقابلةٍ (مرآوية)، تنهض عائشة في كنف ألوهية «الأم» مقابل حياة إبراهيم في كنف الحضور المطلق للأب.

ومثله، تحمل وصيةً عن أمها ينبغي تنفيذها: «أمي، بحسب ظاهرها، هدم البيت.

لكن البيت، في ظني، ربما يكون الحياة.

هدم البيت، ربما، رمز لهدم الذاكرة.

هدم البيت، ربما، محو أثر جدي، ربما محو أثر أبي». الأم التي توصي بتدمير الذاكرة تقابل بالضبط الأب الذي يوصي إبراهيم بترميمها.

الأم (الحجر، لو عدنا لأم مانويل) تقابل الأب (التمثال بالعودة لأبيه)، وهكذا تبدو عائلة مولينا، على تباعد أوراقها حيث عديد الشخصيات المستحضرة لم تتجاور في الزمن نفسه، المرايا لبعضها.

ألم يتزوج إبراهيم من إحدى فتيات «حصن التراب» تنفيذاً لرؤيا حل فيها ابن عطاء السكندري؟ ألم يتزوج إبراهيم، مجازياً، أمه من جديد عبر إحدى صورها؟

من بثور وجه عائشة، التي تسحقها كل صباح بإصبعين، يولد وجه «كارمن دي مولينا بالذات»، رغم أن مائة وعشرة أعوام تفصل زمنيهما، فبينما تكتب عائشة أوراقها في كوينكا في العام 1528، تدون كارمن أوراقها في المدينة نفسها، عام 1638.

يتقاطع صوت كارمن بوضوح مع صوت عائشة، كارمن التي تصرح: «ذات صباح، منذ سنوات بعيدة، شاهدتُ وجهي الدميم في المرآة»، وكأنها ترد على عائشة عندما تقول: «في الصباح، أقف أمام المرآة،

وفي الظهيرة، أنظر لوجهي في نهر صغير».

تكتب «كارمن دي مولينا» أوراقها بينما هي في طريقها لتنفيذ حكم الإعدام، متهمةً بالزندقة.

تُبعث «كارمن»، حرفياً، بكتابة أوراقها.

على العكس من بقية الأوراق، لا تكتب كارمن حرفاً خارج ذاتها، علاقتها بوجهها، فنحن أمام فتاة دميمة ترجّع صدى بطلة رواية «عام المندل» للكاتب نفسه.

لا تيرد كارمن.

إنها الصوت الوحيد في هذه الرواية الذي لا يكتب أوراقاً لكي يسرد، بل لكي تصل إلى تجريدٍ كامل تترجمه لغة مقطرة في مقاطع كثيفة أقرب لإبجرامات شعري.

ابنة لأم عمياء، لا ترى وجهها، إنها جماع أساطير أتحدت لتشكل قوامها الروائي، يؤسسها الجذر الصلب أسطورة نرسيس، حيث لعنة الوجه عندما يوجه نفسه في مرآة البئر.

تذهب كارمن بفكرة النبذ للنهاية، حيث تواجه الإعدام، كأنها تشد قاطرة نساء عائلة دي مولينا كلها للحظة خلاص، للمفارقة، ينهض بها الأعداء بالذات.

تأريخ «كولاجي»

مائة وثلاثة مقطعاً تؤلف «اللعبة الروائية»، كما دعاها المؤلف في توطئته، والتي أشار فيها إلى أن الرواية «تحتوي على إشارات للينكات موسيقية وأخرى لأفلام وثائقية لا يمكن قراءة الرواية واستحضار حالتها دون اللجوء إليها.

إنها كذلك جزء أصيل في اللعبة السردية». تمد «حصن التراب» قدماً خارجها، بحيث لا تكفي قراءة النص «المكتوب» لقراءة «الرواية»، فمن بين المقاطع التي تتجاوز المائة، هناك أحد عشر مقطعاً عبارة عن «روابط إلكترونية» لا تكتمل قراءة الرواية إلا بالاطلاع عليها.

روابط موضوعها «الفرجة» و(السمع). أي أننا أمام خطاب لا يقتصر تكوينياً على مادة اللغة، كما لا تمثل دفتا الكتاب حضوره الوحيد.

بالتواشج، تحل مباشرةً وثائق، عقود بيع، خطابات ومراسلات، نسخ من محاكمات تفتيش، أشعار، أغنيات شعبية، باعتبارها فصولاً سردية.

يجعل كل ذلك من «حصن التراب» نصاً يتوتر بين واقعه التخييلي، وسياقه التوثيقي، ومرجعياته الجمالية الممثلة في زخم النصوص التي يستند عليها ليعيد استحضارها وتضمينها داخل نسيجه كخطاب قائم بالكامل على «التناص»، دون أن يفصل بين نصوصه.

لسنا أمام رواية «تاريخية» تقليدية بل أمام لعبة تأريخ ميتا تخييلية، تنسخ فيها النصوص نصوصاً أخرى بلا هوادة لتجعلها جزءاً من موضوعها وسؤالها.

ما تفعله حصن التراب بإعادة نسخ نصوص سالفة هو بالضبط ما يفعله ساردها مع أسلافه عندما ينسخ نصوصهم ليجعلهم جزءاً من سرديته هو.

سيضيع من يأمل في الحصول على رحلة خطية تعاقبية متهادية في «كولاج» حصن التراب، التي تحاكي «موضوعها» بشكلها ذلك بالذات: فنحن أمام مزق عائلة تُكتب عبر مزق نصوص. لا سبيل لبنية «منسجمة» تقارب عالماً متشظياً قوامه التنافر والتناقض.

لسنا أمام رواية أجيال بالمعنى التعاقبي الذي تحل فيه سيرة العائلة من الأقدم للأحدث، بل إبراهيم نفسه لا ينشر أوراق العائلة بتواريخ كتابتها، بل يقدم ويؤخر حسب زمنية سرديته «هو».

«حصن التراب» دائرة وليست خطاً، تحيل كل نقطة فيها لأخرى: «إذ الأيام تكرار للأيام، والأحداث تكرار للأحداث». تخاصم «حصن التراب» قانون التعاقب حيث تتجاور الأزمنة والأمكنة على شرف الذات التي تقاربها حسب قانونها الدائري، فلا انقطاع.

ومثلما تبدأ برؤيا الأب لموته تنتهي برؤيا السارد لفنائه، حيث تسقط ورقته، لكن ورقة السارد تختلف عن ورقة الأب، ذلك أنها صارت جماع كل الأوراق، فباتت ثقيلة حتى أنها أصبحت، حسب رؤياه: «شجرة، تمسك بتلابيبي، وأجرّها». هل يصبح فَناء السارد هو َفناء عائلة «دي مولينا» بالكامل؟ هل كان فرداً أخيراً في السلالة دون أن يدري، نهض، فقط، ليمنحها مقبرةً نهائية؟ هل محا أسلافه بإعادة تدوين أوراقهم من حيث أراد أن يُخلِّدهم؟ وهل، بخيانته للسر، أسس لجفاف شجرة كاملة، أم أنه انتقم لنفسه بأن جعل من موته الشخصي موتاً للجميع؟.