آخر الأخبار
«الشعبوية» و«تويتر».. لماذا العلاقة وإلى أين النتائج؟

«الشعبوية» و«تويتر».. لماذا العلاقة وإلى أين النتائج؟

Vorlesen mit webReader

د. عبد العاطي محمد –

ليس جديدًا القول بأن المعنيين برصد ما يجري في وسائل التواصل الاجتماعي يقفون كثيرًا وبإمعان عند ما يحدث في موقع تويتر ليس فقط لأنه يتيح التعرف على سلوك أو موقف المغرد، وإنما لأن قياس التأثير أصبح يعتمد على عدد ما تحظى به (التغريدة) وصاحبها من إعجاب.

أصبحت التغريدات على موقع «تويتر» أحد أشهر مواقع التواصل الاجتماعي وسيلةً رائجةً ومؤثرةً، يلجأ إليها من يتصدرون المشاهد السياسية في كثير من البلدان سواء كانوا على مستوى القادة أو غير ذلك، للتعبير عن مواقفهم مما يجرى حولهم من أحداث مهمة تتصدر عناوين الأخبار. وغالبًا ما يتسم التعبير بالاعتراض أو التأييد، وبالتحريض أو المساندة، بما يعكس في المجمل حالة من الانقسام الشديد بين القوى والمواقف المختلفة.
وفي ظل صعود «الشعبوية» وانتشارها المتزايد كنوع من الأيديولوجيات المعاصرة تزايد الاعتماد في نفس الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي وفي القلب منها موقع «تويتر»، وما اعتماد الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الذي يتزعم قوة دولية عظمى كالولايات المتحدة، على هذه الآلية للتعبير عن آرائه ومواقفه، بل وسياسات إدارته، وذلك بدلا من الحديث إلى وسائل الإعلام المعروفة، إلا دليلا قويا على ما أصبحت تحظى به هذه الآلية من أهمية متزايدة.وتثير هذه الملاحظة، أي تزامن صعود «الشعبوية» مع تزايد الاعتماد على «تويتر»، أسئلة عدة تستوجب النقاش والبحث عن إجاباتها، فيما إذا ما كانت هناك بالضرورة علاقة ترابط بين الظاهرتين أم لا، وأي منهما يعد سببا في إعطاء الأهمية للآخر أم كل منهما سبب ونتيجة في وجود الآخر، وفي حالة ما إذا كان هناك ترابط، ما هي النتائج التي تترتب على ذلك، وإلى أين تؤول هذه النتائج؟.
ودون الدخول في تفاصيل الأدبيات المتعددة التي تطرقت لمفهوم «الشعبوية» خصوصًا أنه مفهوم قديم قدم التجارب الإنسانية بحثًا عن أفضل أنواع الحكم، فإن ملامحها التي لا خلاف عليها تشمل التوجه إلى الجماهير أو «الشعب» خصوصا الفئات المتضررة من النظم القائمة، بخطاب سياسي يدغدغ الغرائز الأولية ويستثير العواطف ويتلاعب بالمشاعر الوطنية أو القومية أو العنصرية أو الطائفية بحجة أنه الخطاب الأفضل الذي يحقق ما يريده الشعب تماما. من يتبناها يركز دائما على أنه الأصدق في طرح صورة واقعية لحياة الشعب. والملمح الأبرز فيها هو تجاوز المؤسسات القائمة وإظهارها بالعجز والفشل واتهامها بأنها لا تعمل لصالح الشعب وإنما لصالحها هي، ومن ثم الحرص الشديد على العمل من خارج المؤسسات ، وبدلا من ذلك العمل المباشر مع الشعب دون واسطة.
وبعيدًا عن التقييمات الأخلاقية وبنظرة موضوعية، فإنه بالمعنى المشار إليه للمقصود عن «الشعبوية»، هناك علاقة ترابط بينها وبين وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا موقع «تويتر»؛ لأن هذه الوسائل أدوات للتواصل المباشر بين الناس، مفتوحة بلا قيود من حيث الأصل وتعد بديلا للتعبير عن الآراء والمواقف خارج نطاق المؤسسات التمثيلية كالبرلمانات بأشكالها المختلفة، بل وخارج النقابات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من أشكال العمل المؤسسي المعنى بالتعبير عن الرأي والموقف. وليس من المبالغة القول إن أداء هذه الوسائل كما هو مرصود ومشهود به على أرض الواقع يشير إلى أنها وسائل لا تقف عند التنافس مع المؤسسات بل يجنح معظم روادها إلى التضاد مع المؤسسات وفي كثير من الأحيان التحريض ضدها.
وعلى تنوع هذه الوسائل، فإن موقع «تويتر» تحديدًا هو الأكثر شهرة لفعاليته الفائقة في التواصل ونقل الرسائل بين مستخدميه (ظهر عام 2006 وأصبح متاحا باللغة العربية عام 2012)، ووظيفته تقديم خدمة التدوين المصغرة التي تسمح لمستخدميه إرسال ما يعرف «بتغريدات» تتيح إمكانية الرد بالإعجاب من «مغردين» آخرين. و«التغريدة» أو «التدوينة المصغرة» هي أقرب للتعبير عن موقف ما لصاحبها أكثر من كونها مجرد إشارة إلى اتجاه أو رأي، والثلاثة بينهم فروق معروفة. فالاتجاه هو استعداد لتبني رأي ما ويتحول إلى رأي عندما يخضعه صاحبه للتدقيق والفحص، وأما الموقف فإنه رأي يتضمن اتخاذ سلوك يجسده ، ويعد أشد صور التعبير تأثيرًا. وعليه فإن من يغرد لا يقف في الحقيقة عند كونه يعبر عن رأي ما، وإنما هو يفعل على أرض الواقع ما يعبر عن هذا الرأي.

وليس جديدًا القول إن المعنيين برصد ما يجري في وسائل التواصل الاجتماعي يقفون كثيرًا وبإمعان عند ما يحدث في موقع تويتر ليس فقط لأنه يتيح التعرف على سلوك أو موقف المغرد, وإنما لأن قياس التأثير أصبح يعتمد على عدد ما تحظى به «التغريدة» وصاحبها من إعجاب. وهكذا يقال دائمًا أن فلان من الناس له آلاف أو ملايين المعجبين. وفي هذا الإطار أزاح «تويتر» بحكم قوة تأثيره مصدرا قديما لطالما تم الاعتماد عليه لقياس الرأي العام وهو استطلاعات الرأي. فحتى وقت قريب كانت هذه الاستطلاعات مصدرا موثوقا إلى حد كبير يمكن الاعتماد عليه للتعرف على اتجاهات الناخبين أو شعبية رئيس أو نجاح سياسات ما أو فشلها.
ولكن ما حدث بالنسبة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبالنسبة لفوز ترامب في الانتخابات الأمريكية كشف أن الرأي العام الحقيقي انتقل إلى ساحة أخرى غير مراكز الاستطلاع القديمة وهي ساحة الفضاء الإلكتروني لوسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وخصوصا موقع «تويتر» وهو فضاء يصعب التحكم فيه وإخضاعه للقياس ولكنه هو الذي بيده حقيقة الوضع، ولذلك أصبحت مهمة التعرف على الرأي العام صعبة والسياسي الذكي هو من يحسن استغلاله لهذه الوسائل .وعليه لم يعد غريبا أن يتبارى السياسيون بمن فيهم قيادات دولية وحزبية ونشطاء في الاعتماد على هذه الوسائل وأهمها «تويتر» وحالة ولع ترامب بـ«تويتر» ليست وحدها النموذج، فغيره كثر على صعيد العالم بأسره، ولهم صفحات على الموقع يستفيدون منها جيدا لتحقيق المزيد من الدعم لسياساتهم ومواقفهم. والملفت أن أكثر المتحمسين لهذه الآلية هم ممن ينتمون إلى التيار «الشعبوي» المنتشر في عالم اليوم. ولنأخذ حالتين على سبيل المثال، هما ترامب في الولايات المتحدة ومارين لوبان في فرنسا، والاثنان يمينيان و«شعبويان». غرد ترامب كثيرًا خلال حملته الانتخابية ولكن الأهم منذ دخوله البيت الأبيض .
فيوم تسلمه السلطة كتب: «نحن اليوم لا ننقل السلطة من إدارة إلى أخرى أو من طرف إلى آخر فحسب، ولكننا ننقل السلطة من واشنطن العاصمة ونعطيها لكم أيها الشعب». هاجم سلفه أوباما كثيرًا واتهمه بأنه ربما سيُذكر كأسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، وبأنه المسؤول عن حصول روسيا على شبه جزيرة القرم.. الخ. وعندما تأفف البرلمان الأوروبي من زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا مارين لوبان صوت بالأغلبية على رفع الحصانة عنها، فكتبت: «هذا يوضح فقط للمواطنين الفرنسيين ما هو الاتحاد الأوروبي، وما هو البرلمان الأوروبي الذي يعتبر جزءًا من النظام الذي يريد وقف مرشح الشعب الفرنسي الذي هو أنا».
من الواضح إذا أن قوة تأثير «تويتر» تلاقت مع أنصار «الشعبوية» الذين وجدوا فيه ضالتهم للبحث عن المزيد من الأنصار وللحشد والتعبئة والضغط على الغرائز والعواطف وكلها من متطلبات نجاح «الشعبوية». وصلة الترابط هنا بين «الشعبوية» و«تويتر» تحديدًا ترجع إلى أمرين مهمين لهما شواهدهما من حيث الشكل والمضمون. فمن ناحية كلاهما يستند إلى العمل من خلال فضاء مفتوح حيث لا قيود وممارسة الدور البديل للمؤسسات، وكلاهما حريص على الوصول مباشرة وبصورة مؤثرة إلى الجماهير أو الشعب دون أي وسيط، ومن ناحية أخرى كلاهما مسكون بلغة الحشد والتأثير في العواطف وترسيخ التصورات والمواقف الحدية سواء كانت على جانب الرفض أو التأييد. وليس بعيدا عن ذلك الولوج إلى عالم التعصب والكراهية أيضا!.
وقد ساهم الظرف العام الذي يسود عالم اليوم في تعميق علاقة الترابط والتأثير المتبادل بين الظاهرتين، وذلك من حيث سمة التأزم التي يتسم بها هذا الظرف. ونجم التأزم من التهديدات الأمنية المتزايدة من جانب الجماعات الإرهابية. وعندما تتفاقم حدة هذه التهديدات فإنها تنتج قيادات ونظم حكم «شعبوية» فلا غرابة من صعود اليمين المتطرف في أكثر من مكان وارتباطه بتيارات «شعبوية». كما نجم التأزم من التراجع في أداء الاقتصاد العالمي وما ترتب على ذلك من مراجعة للعولمة، تلك المراجعة التي دفعت إلى السطح بقوى سياسية تفضل العزلة وكراهية الآخر. وارتبط بذلك إحياء دعوات صدام الحضارات والتعصب للهوية بدعوى الدفاع عن الوطنية أو القومية أو المذهبية، وهو ما يندرج ضمن الخطاب السياسي «للشعبوية».
ويضاف إلى ذلك استمرار الأزمات التي نجمت عن رياح التغيير التي اجتاحت المنطقة العربية، وكان من بينها ليس فقط تصدير إرهاب «داعش» إلى العواصم الغربية مما أوجد حالة من الخوف والهلع الأمني هناك كانت دافعًا قويًا لصعود التيارات «الشعبوية»، وإنما تصدير اللاجئين، فضلاً عن الهجرة غير الشرعية مما أصبح جزءا من خطاب الترويج لهذه التيارات. وقد وجد «الشعبويون» الفرصة في وسائل التواصل بما تتيحه من حرية للحركة وقوة تأثير في الرأي العام.

تبقى العلاقة الترابطية بين الظاهرتين قائمة بكل ما تسببه من فوضى وعدم استقرار وتعميق لمناخ التعصب والكراهية طالما استمرت العوامل الرئيسة التي تستمد كل ظاهرة منهما قوتها. ولكن ما يحد من الضرر أن دولة المؤسسات هنا وهناك تقاوم بشراسة هذا الوضع. وفي الحالة الافتراضية إذا ما قدر للتيارات «الشعبوية» أن تبسط قيادتها وتقيم أنظمتها، فإنها لن تنتج سوى «دولا فاشلة». مصلحة العالم والإنسانية في ألا تنتشر الشعبوية، وفي استعادة دور المؤسسات لملء الفراغ الذي احتلته في غيابها وسائل التواصل الاجتماعي .

مارس 19, 2017

Facebook Comments

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats